تنعقد جلسة المفاوضات الخامسة الثلاثية، المقررة غداً في وزارة الخارجية الأميركية، على وقع النتائج الإيجابية التي أفضت إليها الاجتماعات الأميركية الإيرانية في سويسرا، وما أعقبها من اتصال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وعضو وفد التفاوض الأميركي غارد كوشنير، وكذلك رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني برئيس الجمهورية جوزاف عون، في إطار وضعه في أجواء ما خلصت إليه هذه الاجتماعات بالنسبة إلى مسار وقف إطلاق النار في لبنان، بحيث أن هذا الملف استحوذ على قسط وافر من المفاوضات الأميركية الايرانية. وكان هناك إجماع من جانب المتفاوضين والوسطاء، على ضرورة احترام وقف إطلاق النار بين "حزب الله" وإسرائيل، لإعطاء دفع قوي لمسار المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، سيما وأن لبنان سيكون حاسماً في ما يتصل بأهمية استدامة وقف إطلاق النار، والحصول في المقابل على تعهد إسرائيلي بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة .
وفي ظل هذه الأجواء، فإن كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لا ينفك يردده في أكثر من مناسبة، حول الطلب من الرئيس السوري أحمد الشرع التدخل في لبنان لمواجهة "حزب الله"، يثير الكثير من التوجس والقلق، من مغبة أن تعمد واشنطن إلى إعادة إغراق دمشق بالوحول اللبنانية، ما سيقود حتماً إلى فتنة طائفية بين اللبنانيين والسوريين . لكن يمكن القول أن حسم الرئيس الشرع لهذا الموضوع، بالتأكيد أن سورية لن تدخل لبنان، قد خفف كثيراً من التداعيات التي خلفها كلام الرئيس ترامب، وأثار أجواء ارتياح لدى القيادات السياسية التي أشادت بحكمة الرئيس السوري في تعامله مع هذا الملف البالغ الحساسية، وهو ما عبر عنه رئيس الحكومة نواف سلام من خلال اتصاله بوزير الخارجية السورية أسعد الشيباني، مثنياً على مواقف الرئيس الشرع . بعد أن كان الأخير واضحاً وحاسماً في آن، بأن بلاده لن تتدخل في شؤون لبنان، كما كان يفعل النظام السوري السابق . وتالياً لن تعيد دمشق تكرار تجارب نظام الأسدين المريرة تجاه الشعب اللبناني الذي عانى الأمرين على مدى عقود من ممارسات النظام البائد .
وإذ أشادت مصادر سياسية بما قاله الرئيس الشرع بخصوص لبنان، وتأكيد على أن بلاده لن عيد أخطاء الماضي، فإنها لفتت إلى أن الرئيس الأميركي إرسال رسائل إلى جميع الأطراف، ومن بينها إسرائيل، باعتبار أن عودة سورية إلى لبنان تعني اقتراب سورية وتركيا من الحدود الإسرائيلية ، وفي الوقت نفسه رسالة إلى "حزب الله"، بأن عودة سورية إلى لبنان هذه المرة، ليست عودة العلويين، إنما عودة المحور السني التركي السوري . وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن مواقف الرئيس ترامب، بمثابة رسائل تنبيه أكثر ما هي تحذيرات جدية عملياً، الغاية منها ضرورة أن يفهم كل طرف أن سورية لم تعد لعبة إيرانية، ولا تؤثر عليها إسرائيل رغم كل ما تعرض له النظام الجديد في دمشق، مؤكدة أن الرئيس الشرع لن يرضخ للضغوط الأميركية من أجل التدخل في لبنان . فهو ليس بهذه العقلية، ولا في هذا التوجه، ولا بهذه القدرة، أن يدخل إلى لبنان ليقوم بدور الشرطي على الطوائف اللبنانية .
وفي الوقت الذي تولي واشنطن المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية اهتماماً لافتاً، إلا أن تكرار مواقف الرئيس ترامب بشأن التدخل السوري في لبنان، يعكس في جانب منه، ما يمكن تسميته ب"إحباط" واشنطن من عدم قدرة حكومة لبنان على الالتزام بما وعدت به بشأن حصرية السلاح، ومعالجة ملف "حزب الله" . وبالتالي فإن قرارات الحكومة اللبنانية التي بقيت حبراً على ورق، باعتبار أن الدولة اللبنانية للأسباب التي باتت معروفة، تتردد بذريعة الخوف من إحداث فتنة، في تطبيق ما تم التوافق عليه، دفعت الجانب الأميركي من خلال مواقف الرئيس ترامب، إلى التهديد بالطلب من الرئيس السوري التدخل في لبنان، بالمهمة التي أخذت الحكومة اللبنانية على عاتقها القيام بها، لإيجاد حل لمشكلة سلاح "حزب الله" . لكن رغم كل ما قيل ويقال في هذا الخصوص، فإنه واستناداً إلى ما تقوله المصادر السياسية، فإن لدى الرئيس السوري ما يكفيه من المشكلات في بلاده، عدا عن أن الرئيس الشرع سبق وقطع وعداً للدولة اللبنانية ولشعبه، أن زمن التدخل السوري في لبنان ولى .