بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 حزيران 2026 12:43ص منطق الرسالة وذاكرة الصراع بين كربلاء عثمان وكربلاء الحسين

حجم الخط
ليس التاريخ في جوهره ساحةً للنزاع بل سجلاً لتجارب إنسانية يُفترض أن تُقرأ للفهم واستخلاص العِبَر لا لإعادة إنتاج الخصومات. غير أن أحد أخطر التحوّلات التي تصيب الوعي الجمعي يتمثل في تحويل الحدث التاريخي إلى «ذاكرة قتالية» دائمة تُستدعى كلما احتاجت جماعة ما إلى شرعنة موقف سياسي أو تعبئة عاطفية أو ترسيخ هوية مغلقة. وفي هذا السياق تبرز بـ«مشاريع الكراهية المقدّسة» وهي مشاريع لا تنتج الكراهية بوصفها انفعالاً عابراً بل باعتبارها منظومة فكرية ورمزية تجعل من الخصومة التاريخية هوية مستمرة ومن الانقسام جزءاً من العقيدة ومن الكراهية عنصراً يكتسب قداسة رمزية.
ومن أبرز النماذج التي جرى توظيفها عبر التاريخ الإسلامي حادثتا استشهاد الخليفة عثمان بن عفان واستشهاد الحسين بن علي في كربلاء، حيث تحوّل الحدثان من وقائع تاريخية ذات سياقات سياسية معقّدة إلى رموز قابلة لإعادة التوظيف في صراعات لاحقة. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بالحدث ذاته بل بكيفية قراءته وبكيفية إخراجه من دائرة التوظيف السياسي إلى دائرة العبرة الإنسانية وبقدرة المجتمعات على تجاوز ذاكرة الجراح من دون إنكارها.
أولاً، مفهوم «الكراهية المقدّسة» وآليات إنتاج الصراع: لا تعني الكراهية المقدّسة مجرد العداء بين الأطراف بل تعني تحويل هذا العداء إلى قيمة تُمنح شرعية أخلاقية أو دينية بحيث يصبح تجاوزها ضرباً من الخيانة للهوية. وتقوم هذه الآلية على ثلاثة عناصر أساسية تبدأ بانتزاع الحدث من سياقه التاريخي وفصل الوقائع عن ظروفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ثم تثبيت ثنائية الخير والشر من خلال تقسيم الأطراف إلى مظلوم دائم وظالم دائم وأخيراً توريث الذاكرة القتالية للأجيال بوصفها واجباً لا درساً تاريخياً. وهكذا يتحوّل الماضي من مصدر للحكمة إلى مصدر دائم للتعبئة.
ثانياً، كربلاء عثمان... من الفتنة إلى الذاكرة المؤدلجة: يمثل استشهاد الخليفة عثمان بن عفان لحظة سياسية شديدة التعقيد في التاريخ الإسلامي تداخلت فيها عوامل الإدارة والقبيلة والاقتصاد والانفتاح الحضاري، إلى جانب محاولات العودة إلى النزعات القبلية الأحادية التي تتقدم على النص والقيم والاجتهاد السياسي. وما يهمّ هنا ليس إعادة سرد الحدث بل التوقف عند كيفية توظيفه لاحقاً في تشكيل سرديات الصراع. فبدلاً من قراءة الحدث باعتباره نتيجة لتراكمات سياسية داخل دولة ناشئة جرى مرحلة ما تحويله إلى رمز للثأر السياسي الأمر الذي ساهم في ترسيخ خطاب «الدم مقابل الشرعية». غير أن التاريخ الإسلامي أظهر قدرة المجتمعات على تجاوز منطق الثأر والانتقال إلى بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتقديم سيرة عثمان بوصفها جزءاً من منطق الرسالة التي عاش من أجلها واستشهد دفاعاً عنها. ولم يكن هذا التجاوز إنكاراً للمظلومية بل إعادة تعريف للعلاقة مع التاريخ من منطق الانتقام إلى منطق الدولة ووحدة الجماعة السياسية.
ثالثاً، كربلاء الحسين بين المعنى الأخلاقي والتوظيف الهوياتي: شكّل استشهاد الحسين بن علي في كربلاء أحد أكثر الأحداث حضوراً في الوجدان الإسلامي لما يحمله من دلالات أخلاقية تتصل بالعدل والتضحية ورفض تشويه المعايير. غير أن الإشكالية لا تكمن في الحدث نفسه بل في بعض أنماط استحضاره التي تنقل الذاكرة من بعدها الأخلاقي إلى إطار هوياتي مغلق يعيد إنتاج الألم بصورة دورية. ويؤدي هذا التحول إلى تثبيت شعور دائم بالمظلومية التاريخية وإلى إعادة إنتاج الانقسام بدل تجاوزه بحيث يتحول الحدث من مصدر للإلهام الأخلاقي إلى عنصر يغذّي الفجوات بين الجماعات ويؤسس لاستمرارها.
رابعاً، كيف تعمل آليات إعادة إنتاج الأحقاد؟ تعمل مشاريع الكراهية المقدّسة من خلال آليات اجتماعية وثقافية متعددة أبرزها التعليم الانتقائي للتاريخ والخطاب التعبوي الذي يوظف اللغة الدينية والأخلاقية لترسيخ الانقسام والطقوس الرمزية برايات سوداء مدرجة بالدماء واحتلال الساحات العامة وسيطرة الفكر الآحادي الموجّه بدل التنوّع الخلّاق والإلتزام بالإيمان القيمي، لتعيد إحياء هذا الحدث خارج سياقه التاريخي إضافة إلى توظيف الماضي في بناء الولاءات السياسية المعاصرة، وهكذا يتحوّل التاريخ إلى أداة لإدارة الصراع بدل أن يكون مساحة للفهم والتعلم.
خامساً، تجاوز الذاكرة الجريحة وبناء الدولة: تكشف التجارب التاريخية أن المجتمعات التي نجحت في بناء استقرارها السياسي لم تجعل من الماضي ساحة مفتوحة للثأر بل مصدراً لفهم أسباب الانقسام وتجاوزها. ومن هذا المنطلق فإن تجاوز «كربلاء عثمان» لم يكن إنكاراً للتاريخ بل انتقالاً من شرعية الدم إلى شرعية الدولة والمؤسسات، الأمر الذي أسهم في بناء الثقة بين مكونات المجتمع وتقديم مفهوم الجماعة السياسية على الهوية القتالية بما يحقق الاستقرار ويمنع الدوران في دوائر الانتقام وبالتالي تقديم منطق مذهب الأمة المرتبط بالرسالة الجامعة ودور الإنسان كخليفة لله في أرضه يحقق الإعمار بعيداً عن الفساد وسفك الدماء.
سادساً، نحو وعي حضاري جديد بالتاريخ: إن المجتمعات التي تبقى أسيرة القراءة القتالية للتاريخ تعيد إنتاج الانقسام داخل دائرة مغلقة، بينما تنجح المجتمعات التي تعيد قراءة ماضيها في تحويل الذاكرة من مساحة للصراع إلى مساحة للتعلم ومن الماضي بوصفه سلطةً على الحاضر إلى الماضي بوصفه خبرةً إنسانية. وعندها يصبح التاريخ عنصراً في بناء العمران الحضاري لا عائقاً أمامه.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة ليس اختلافها حول التاريخ بل تحويل هذا الاختلاف إلى مشروع دائم لإعادة إنتاج العداء. فمشاريع الكراهية المقدسة ليست قدرًا تاريخيًا بل خيارات فكرية وسياسية يمكن تجاوزها حين يُعاد تعريف العلاقة مع الماضي. فالأمم لا تُبنى حين تتفق على قراءة واحدة للتاريخ بل حين تتفق على ألّا تجعل من الماضي سلاحاً ضد الحاضر أو وسيلةً لاغتيال المستقبل.
إن الطريق إلى المستقبل لا يمرّ عبر إنكار التاريخ بل عبر تحريره من الاستخدام القتالي وقراءته من زوايا متعددة، انطلاقاً من قوله تعالى {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} و{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} والتاريخ الإنساني فيه ملايين كربلاءات عثمان كما ملايين كربلاءات الحسين في الشرق كما في الغرب، والعبرة في استيعاب الرسالة وعلاقتنا السليمة بالخالق الرحمن الرحيم بما يحفظ كرامة الإنسان الحر المسؤول ويعطيه دوره في حمل الأَمَانَةَ التي أبت السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ أن تحملها. فالتاريخ في نهاية المطاف ينبغي أن يكون مرآة للفهم ومنطق الرسالة وأن يخدم دور الإنسان في إعمار الأرض وتطوير الفكر وترسيخ القيم لا أن يتحول إلى سيف للخصومة والتنازع والعصبيات التي تفتت المجتمعات وتستعبد الإنسان وتبدّد فرص المستقبل.