بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 حزيران 2026 12:43ص معادلة بري الدبلوماسية: ثوابت الدولة، ضمانات الميدان، والمظلة العربية

حجم الخط
في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية، جاءت المواقف والتصريحات الأخيرة لرئيس مجلس النواب نبيه بري لتتجاوز حدود الخطاب التقليدي، ولتحمل رسائل سياسية ودبلوماسية متعددة الاتجاهات، في ظل استمرار التحديات الميدانية على الحدود الجنوبية، وتكثيف الاتصالات الدولية الهادفة إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق مسار تفاوضي يعالج الملفات العالقة.
تأتي هذه الطروحات لتعكس محاولة متقدمة لترسيم حدود التفاوض اللبناني، مستفيدة من مرونة بري السياسية المعهودة لتقديم مقاربة توازن بين التزامات الدولة اللبنانية تجاه المجتمع الدولي، والحفاظ على توازنات القوة الداخلية عبر عناوين رئيسية ناظمة للمرحلة. كما جاء هذا التموضع الدبلوماسي ليعكس تقاطعاً ذكياً مع الحرص السعودي المتنامي على تثبيت مظلة شبكة الأمان العربية للبنان، والمحافظة على دور المملكة الريادي كراسم أساسي لخطوط الاستقرار الإقليمي في هذه المرحلة الدقيقة.
• الرهان الإقليمي على «رادارية»
 بري وبراغماتيته
في عمق القراءة الإقليمية للمشهد، يبرز رهان سعودي واضح ومدروس على براغماتية نبيه بري وعقلانيته السياسية في إدارة الأزمات الكبرى. وتنظر الرياض إلى رئيس المجلس بوصفه الشخصية الأقدر على التعاطي مع الوقائع الميدانية والسياسية المعقدة بـ»رشاقة» ومرونة استثنائية، تمنع انزلاق البلاد نحو مآزق وجودية.
هذا الرهان ينطلق من قدرة بري المجربة على تثبيت دوره التفاوضي المحوري والمباشر مع «حزب لله» والتحدث باسمه في الاستحقاقات المصيرية، مستنداً إلى قاعدة صلبة ومستدامة من التنسيق والتشاور مع الرئاستين الأولى والثالثة. إن هذه القدرة على صياغة «التقاطعات الممكنة» تجعل من حركة بري السياسية نقطة ارتكاز يعول عليها لمنع الاستفراد بالقرار اللبناني، وضمان بقاء الطروحات تحت سقف الدولة والشرعية الدستورية.
• تأكيد وحدة الموقف الرسمي
 (هندسة التوازنات الرئاسية)
حرص بري بشكل لافت على نفي أي تباين جوهري بينه وبين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، مؤكداً أن التواصل قائم وأن الاختلاف، إن وجد، يقتصر على تبادل الأفكار وليس على الثوابت الوطنية.
وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل محاولات خارجية متكررة للإيحاء بوجود انقسام داخل السلطة اللبنانية بهدف إضعاف موقعها التفاوضي. من هنا، يهدف هذا الخطاب إلى إظهار أن الدولة اللبنانية بكافة أركانها شريكة في قرار السلم والتفاوض، وأن أي مفاوضات ناجحة تحتاج إلى جبهة رسمية موحدة ومؤسسات دستورية متماسكة تتمسك بالأولويات الكبرى؛ وهو ما يتقاطع مباشرة مع الرؤية السعودية التي تؤكد دائماً على أولوية تفعيل دور مؤسسات الدولة اللبنانية الشرعية كمدخل وحيد لأي حل مستدام.
• إعادة ترتيب الأولويات
 وتقديم الضمانات
رسم رئيس المجلس تسلسلاً واضحاً ومحكماً للمطالب اللبنانية، يبدأ بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، يليه انتشار الجيش اللبناني، ثم عودة السكان إلى قراهم، وإطلاق الأسرى، وصولاً إلى إعادة الإعمار. ويعكس هذا الترتيب رفض لبنان القاطع للانتقال إلى مناقشة ترتيبات أمنية جديدة قبل إزالة أسباب الأزمة الميدانية.
وفي هذا السياق، برز تموضع بري كـ «المفاوض الحصري» القادر على تقديم ضمانات عملية؛ حيث أعلن بوضوح تعهده بالإنابة عن «حزب لله» بالالتزام بوقف إطلاق النار وإخلاء منطقة جنوب نهر الليطاني من السلاح، رابطاً ذلك بجدول زمني يتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي. وهي مناورة دبلوماسية تضع الكرة مباشرة في الملعب الإسرائيلي والأميركي، لتصبح المعادلة: الالتزام بالالتزام، والانسحاب الكامل مقابل خلوّ المظاهر المسلحة غير الرسمية.
• تفكيك الشراك التفاوضية 
عبر مقترح الأقضية
ولعلّ النقطة الأكثر أهمية وحنكة تفاوضية في طروحات بري تمثلت في رفضه القاطع لفكرة تنفيذ الاتفاق عبر «مناطق تجريبية»، وطرحه بديلاً يرتكز على اعتماد التقسيم الإداري الرسمي للدولة القائم على «الأقضية»، بحيث يجري في كل قضاء بالتزامن:
1. انسحاب القوات الإسرائيلية.
2. انتشار وحدات الجيش اللبناني بشكل منظم.
3. عودة الأهالي والنازحين إلى بلداتهم.
4. تثبيت المنطقة جنوب الليطاني خالية من أي مظاهر مسلحة خارج إطار الدولة.
ويكشف هذا الطرح عن انتقال بري من مستوى المواقف السياسية إلى تقديم آلية تنفيذية قابلة للنقاش؛ فهو يدرك أن القبول بـ»المناطق التجريبية» المستحدثة قد يفتح الباب لسنوات من المفاوضات التقنية اللامتناهية والمماطلة وقضم الأراضي, بينما الاعتماد على الأقضية الإدارية يسرّع الجداول الزمنية ويقطع الطريق أمام الذرائع الميدانية.
• واقعية الرهان على التنسيق الإقليمي والدولي
يكشف إقرار بري بأن التزام إسرائيل بوقف النار الأخير كان نتاج ضغط أميركي مباشر عن براغماتية وواقعية سياسية عالية تتقدم على الخطاب الأيديولوجي التقليدي. فالرئيس بري يعترف صراحة بأن الولايات المتحدة هي القناة المحورية القادرة على ضبط السلوك الميداني لإسرائيل، لكنه يدرك في الوقت ذاته أن هذا الضغط الأميركي لا يتحرك في فراغ، بل يتكامل مع حراك دبلوماسي إقليمي تقوده المملكة العربية السعودية وقطر وباكستان ومصر، فقلاً عن التنسيق بين الدوحة وطهران، لترتيب الملف اللبناني وحماية سيادته.
هذا التناغم يبدو جليّاً في جولات التفاوض المستمرة في واشنطن والعواصم المؤثرة، حيث يشكل الموقف العربي والسعودي الداعم للاستقرار اللبناني ركيزة أساسية يستند إليها المفاوض اللبناني لضمان عدم الانكسار تحت النار أو القبول بشروط مجحفة.
• رسائل متعددة الاتجاهات
تكشف هذه المواقف في محصلتها عن حرص بري على توجيه رسائل متزامنة:
- إلى الداخل اللبناني: المؤسسات الدستورية موحدة، ولا خلاف على الثوابت الوطنية، والتنسيق الرأسي في أعلى مستوياته لقطع الطريق على أي محاولات إقصاء أو عزل.
- إلى العواصم الإقليمية والدولية (وفي مقدمتها الرياض وواشنطن): لبنان منفتح على الحلول السياسية البنّاءة وتطبيق القرار 1701، ويُثمن الحراك الدبلوماسي العربي والسعودي الحريص على صون القرار الوطني، لكنه يرفض فرض الوقائع بالقوة العسكرية أو التفاوض تحت الضغط.
- إلى إسرائيل: أي ترتيبات أمنية مستدامة لا يمكن أن تقوم إلا على الانسحاب الكامل، واحترام السيادة اللبنانية، وليس على فرض معادلات جديدة بقوة السلاح.
• بين الضمانات والتنفيذ
يمكن اعتبار مواقف نبيه بري محطة سياسية وإستراتيجية بالغة الأهمية في هذا التوقيت؛ إذ نجح في تقديم نفسه كـ صمام أمان الدبلوماسية اللبنانية، مستفيداً من الزخم العربي والسعودي الحريص على إبقاء لبنان في عمقه الطبيعي، ومستنداً إلى رصيد من الحكمة السياسية التي تلتقي مع الرؤية الإقليمية الراغبة في استقرار الدولة ومؤسساتها. فلم يقتصر بري على عرض الموقف اللبناني بل سارع إلى حصار المناورات التقنية، وتحصين الجبهة الداخلية، وتقديم تصور عملي للمفاوضات المرتقبة يضمن للبنان البقاء على طاولة القرار لا تحتها.
ويبقى نجاح هذه المقاربة مرتبطاً بمدى استعداد إسرائيل للالتزام باستحقاقات الانسحاب، وبقدرة الوسطاء الدوليين على ترجمة الضمانات السياسية والجهود الإقليمية الحثيثة إلى خطوات تنفيذية ملموسة على الأرض، وهو ما سيحدد شكل المرحلة السياسية والأمنية المقبلة في لبنان.