فؤاد بوجي
أُدرج لبنان في المذكرة الأولى الصادرة عن الاجتماعات الأميركية – الإيرانية الأخيرة، واعتبر البعض أن مجرد ذكر لبنان في هذه التفاهمات يمثل تطوراً إيجابياً ومؤشراً إلى اهتمام الأطراف المعنية بمستقبله واستقراره.
لكن اللبنانيين الذين عاشوا سنوات طويلة من الحروب والأزمات والتجاذبات الإقليمية يملكون الحق في طرح سؤال مختلف: أين تكمن مصلحة لبنان الفعلية في كل ذلك؟
فالدول لا تُقاس نواياها بما تقوله في البيانات، بل بما تتركه من أثر على أرض الواقع. واللبنانيون لا يحتاجون إلى أن يسمعوا أن لبنان حاضر على طاولة المفاوضات بقدر ما يحتاجون إلى أن يروا نتائج هذا الحضور في حياتهم اليومية ومستقبل دولتهم.
إذا كانت مصلحة لبنان حاضرة فعلاً في أي تفاهم إقليمي جديد، فإن الاختبار الحقيقي لا يكون في عدد المرات التي يُذكر فيها اسم لبنان، بل في المساعدة على معالجة الملفات التي أعاقت قيام الدولة وأدخلت البلاد في دوامة الأزمات لعقود طويلة.
فاللبنانيون يتطلّعون إلى دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، كما هو الحال في سائر الدول الطبيعية. ويتطلعون إلى إنهاء واقع تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري الذي جعل لبنان في كثير من الأحيان يدفع أثمان صراعات أكبر من قدرته على التحمّل.
ويتطلّعون أيضاً إلى تخفيف التدخّلات الخارجية في شؤونهم الداخلية، بحيث تصبح الأولوية للمؤسسات الدستورية اللبنانية وللإرادة الوطنية اللبنانية، لا لحسابات الصراعات الإقليمية وتوازناتها المتغيّرة.
كما يتطلّعون إلى استقرار حقيقي يعيد الثقة إلى الاقتصاد ويشجّع الاستثمار ويمنح الشباب أسباباً للبقاء في وطنهم بدل البحث عن مستقبلهم في الخارج. فالأمن والاستقرار ليسا مطلبين سياسيين فحسب، بل هما الشرط الأساسي لأي نهوض اقتصادي أو اجتماعي.
لقد سمع اللبنانيون على مدى سنوات طويلة شعارات كثيرة رفعت باسم دعم لبنان ومساندته. لكن النتيجة التي يراها المواطن العادي اليوم هي دولة تعاني أزمات مالية واقتصادية غير مسبوقة، وبنية تحتية متعثرة، وهجرة مستمرة للكفاءات والشباب، وتراجعاً في ثقة الناس بمستقبل بلدهم.
من هنا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس ما إذا كان لبنان جزءاً من التفاهمات، بل ما إذا كانت هذه التفاهمات ستساعد فعلاً في إزالة الأسباب التي أوصلت لبنان إلى هذا الواقع.
فإذا كانت هناك إرادة حقيقية لمساعدة لبنان، فإن الطريق إلى ذلك واضح: دعم الدولة اللبنانية، تعزيز مؤسساتها، احترام سيادتها، والمساهمة في معالجة الملفات التي تعيق استقرارها ونهوضها.
عندها فقط يمكن للبنانيين أن يشعروا بأن إدراج بلدهم في أي تفاهم إقليمي كان لمصلحتهم بالفعل. وعندها فقط سيكون التقدير مستحقاً، لا لأنه كُتب على لوحة إعلانية أو رُفع كشعار سياسي، بل لأنه تُرجم دولة أقوى، واقتصاداً أكثر استقراراً، ومؤسسات أكثر قدرة، ومستقبلاً أفضل لجميع اللبنانيين.
فاللبنانيون في نهاية المطاف لا يحكمون على الدول بما تقوله عن لبنان، بل بما تساعد لبنان على تحقيقه.