ها قد أطلّ علينا عيد الأضحى المبارك الذي يأتي هذا العام في ظروف معيشية واقتصادية واجتماعية صعبة وخطيرة تتراكم منذ سنوات عديدة حتى وصلت إلى مرحلة حسّاسة تنذر بخطر كبير.
فالمواطن في لبنان (ونتيجة للأوضاع التي مرّت علينا) مطلوب منه أن يفرح ويسعد ويشعر أبنائه وأهله بالبهجة في هذه الأيام بل وأن يوسّع عليهم ولكن... كل الظروف «المصطنعة عمدا» تسير ضده.. ونحن من «عبقريتنا الفذّة».. غفلنا عن كل هذه «الموبقات» ورحنا نطالب الناس بالفرح والسعادة..؟!
الأمن معدوم في بلادنا.. والفقر يجتاح شعبنا.. والحاجة تستقر بيوتنا.. حتى صرنا نعيش بلا ماء.. وبلا كهرباء.. وبلا غذاء.. وبلا دواء.. وبلا خدمات.. وبلا طرقات آمنة.. وبلا تطبيق للقانون.. وبلا تيسير للعلم.. ثم نقول للناس جاء العيد فافرحوا..؟!
الأقساط المدرسية (ونحن على مشارف انتهاء العام الدراسي) وكل ما يتعلق بها في غلاء مستمر دون حسيب أو رقيب حتى تحوّلت كثير من المدارس إلى مراكز تجارية لا تبتغي سوى الربح... ثم نقول للناس... افرحوا بالعيد..؟!
الظلم صار سيدا بيننا... والواسطة أصلا في تعاملاتنا... وفرص العمل للشباب أندر من الماء في الصحراء القاحلة.. ثم «نضحك» على أنفسنا ونقول للناس إفرحوا..؟!
زرعنا الحقد والجهل والتعصب والطائفية والمذهبية في النفوس وعمّمنا التبعية العمياء عليها، حتى أسّسنا جيلا شبه كامل لا يعرف من أمور دينه سوى الحركات الجوفاء ثم.. الشتم واللعن والتكفير.. ونشرناه في أرجاء البلاد ليختلط مع الناس وقلنا لهم جميعا.. تعاونوا وافرحوا..؟!
شبابنا يجتهد ويدرس ويتخرّج من أرقى الجامعات ليكون مصيره إما الوقوف على أبواب السفارات بحثا عن فرصة هجرة لينبذ بعدها كل علاقة ببلاده وراء ظهره، وإما جلوسا على كراسي المقاهي في زمرة العاطلين (يطقطق أنفاس الأراجيل)..؟!
حتى كبارنا الذين هم «بركة» ممزوجة بالخبرة ونحن مأمورون بتوقيرهم عمليا.. أهملناهم وأهنّاهم حتى تعوّدنا على رؤيتهم وقوفا في الطوابير... أملا بالحصول على موافقة لدخول المستشفى وتلقّي علاج لأمراضهم...؟!
فأي تناقض هذا الذي نعيشه نحن الذين كذبنا على أنفسنا، ثم ابتغينا الفرح بالعيد الذي أساسه الفهم الصحيح للدين والتضحية الفعلية بكل أنانياتنا ومصالحنا وترجمة ذلك إلى منهج حياة متكامل في سبيل حياة كريمة لكل أفراد المجتمع..؟!
إن الإسلام الحنيف من رقيّه وحضارته أنه أمرنا بتوفير الأسباب للناس قبل مطالبتهم بتقديم النتائج، وكل دعوة أو قول أو فعل يناقض هذا الرقيّ إنما هو حجّة علينا يوم القيامة وسنحاسب حسابا عسيرا..؟!
إذا أردتم الفرحة بالعيد.. حققوا معانيه في كل أمور حياتكم..
إذا أردتم الفرحة.. ترجموا إرادتكم إلى أفعال تتناسب وحضارة دينكم..
وطبعا... إذا أردتم الفرحة.. أحسنوا أداء المسؤوليات التي كلفتم بها فحوّلتموها إلى مراكز تشريف..؟!
لا نقول هذا الكلام من باب التشاؤم .. ولا من باب اليأس.. وإنما نقوله قراءة لواقع نعاني منه ولا بد أن يتغيّر بأيدينا جميعا كل حسب قدراته..
ولذا نعلنها صراحة.. إما أن نعيد ترتيب الأمور (كل الأمور) بما يتناسب مع إنسانيتنا ورقيّ ديننا.. وإما فسندفن أحياء ولن يشعر بنا أحد، وصدّقوني لا عزاء للمتقاعسين ولا للمتخاذلين ولا للمشوّهين...
وبالمناسبة.. كل عام وأنتم بخير...
bahaasalam@yahoo.com