بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 أيار 2026 12:15ص مسار المفاوضات الشائك بين الولايات المتحدة وإيران

حجم الخط
في خضمّ المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران طُرحت فكرة توقيع مذكرة تفاهم بين الطرفين على أن يُصار إلى مفاوضات لاحقة من أجل توقيع اتفاق نهائي.

• ما هو الفرق بين مذكرة التفاهم MOU والاتفاق؟

إن مذكرة التفاهـــم هي تفاهـــــم مبدئي أو اتفاق إطار بين طرفــــي النزاع وهو لا يتناول أُسساً دقيقــة بل يتضمّن أفكاراً وبنوداً عامة كوقف إطلاق النار والحدّ من الأسلحة وإجراءات بناء الثقة من دون أن يتعرّض الى التفاصيل الدقيقة والهامة والجوهرية والتقنية المتعلقة بالبنود النهائية لأي اتفاق سلام بين طرفي النزاع. وبمعنــى آخــر هو تعبيـــر عن نوايا ورغبات تهدف إلـــى إنهــاء النزاع وإحلال السلام. وإن الغاية من مذكرة التفاهــــــم العمل علـــى بناء الثقـــة وجـــسّ نبض الطرفين لجهة الجديّة في إنهاء الحرب وإزالة الشكوك حول ثقتهما ببعضهما البعض.
هذا وتجدر الإشارة إلـــــى أنها لا تتمتّــع بقـــوّة قانونيـــة بحتـــة بفعل تضمّنها تعابير عامـة وغامضة يغلب عليها طابع التمنّي وإبداء النيّة في التعاون.
ولا نغالي إذا قلنا أن مذكرة التفاهم هي وثيقة لها صفة العمل التمهيدي وعبارة عن وعود تعبّر عن إيجابية وانفتاحية من أجل الوصول إلى هدف مشترك ممّا يُفسح في المجال لإتفاق نهائي ملزم للطرفين وله القوة القانونية وقابل للتعديل والإنتهاء في أي وقت وفقاً لما ينصّ عليه الاتفاق من آلية خاصة تحدّد تاريخ انتهائه أو بناءً على طلب الفريقين أو طلب أحدهما. وينصّ الاتفاق على حقوق وموجبات الطرفين ويتمايز بالدقّة في اعتماد التفاصيل لجهة تحديد البنود السياسية والاقتصادية والعسكرية والتقنية والشروط الزمنية والقانونية.
وهكذا يتجلّــى لنا أنــه من أهـــم مــزايا الاتفاق الجديّة في الالتزام لأنه يستند إلى المعلومات النهائية والدقيقة حول مجمل مواضيعه.
في حين أن مذكرة التفاهم هي بمثابة مقدمة أو تمهيد ولا تتّسم بالجديّة والدقّة نظراً لعدم ارتكازها على المعلومات الأساسية والجوهرية المتعلّقة بجميع النواحي العملانية والتنفيذية والتي تؤهل أطراف النزاع لاتخاذ القرارات النهائية والملائمة. وغالباً ما تتضمّن مذكرات التفاهم وعوداً ونوايا غامضة ومبهمة وقد تثير التباسات وإشكاليات عديدة عند التمحيص بها خلال المفاوضات الجديّة اللاحقة.
إن مذكرات التفاهم تعتمد إجمالاً على مساحة واسعة من بنود وقواعد عامّة ممّا يتيح للطرفين التراجع عن أي وعد أو تنازل أو عهد تمّ التعهّد بأي منهما في المذكرة. في حين يتمايز الاتفاق في كونه شاملاً ومفصّلاً أمّا المذكرات فتكون مختصرة وهزيلة المحتوى. علماً أن الاتفاق يستلزم لكي يصبح نافذاً موافقة السلطة التشريعية بأغلبية موصوفة لكن مذكرة التفاهم فيُكتفى بالتأشير أو بالإمضاء المختصر عليها.

• ما هي الإشكاليات السياسية المرتبطة بالتباطؤ التفاوضي بين الدولتين؟

أشار بعض الباحثين السياسيين والصحفيين إلى سوء إدارة المسار التفاوضي من قبل الطرفين. وما يدلّنا على ذلك عدم سريّة التفاوض إضافة إلى سيل من المشاريع والأفكار التفاوضية وتأجيل متعدّد لمهل التفاوض والترويج لشروط وبنود عديدة ثم التراجع عنها مّما أثار تساؤل وغيظ الرأي العام. فتارةً نسمع عن تقارب في وجهات النظر وطوراً عن تلويح بالحسم العسكري. وإن مجرى هذه التصرفات التفاوضية إن دلّ على شيء فهو يدلّ على عدم قدرة أحد الطرفين على حسم مسار التفاوض لمصلحته ممّا يوحي أو يُلمّح الى غموض أو عدم وضوح هوية المنتصر في هذا النزاع بين الولايات المتحدة وإيران. إذ لو تمّ الحسم النهائي لأي فريق لكان حصل الاتفاق بحيث يفرض المنتصر شروطه على الفريق المهزوم. لكن الواقع يشير إلى أننا نشهد نزاعاً عسكرياً بين دولة كبرى عظمى على الصعيد الدولي ودولة كبرى عظمى على الصعيد الإقليمي. وتجدر الإشارة إلى أن عصر الانتصارات الحاسمة أو المطلقة قد ولّى حيث كان المنتصر يفرض شروطه كاملةً على المهزوم في حين أصبحنا في عصر الانتصارات النسبية وهذا ما نعاينه في الحرب الأميركية - الإيرانية والحرب الروسية - الأوكرانية.
وهكذا لم يتبيّن لنا أن فريقاً قد حقّق نصراً نهائياً وحاسماً على فريق آخر وهذا ما خلط الأوراق وعقّد مسار التفاوض وانتهاء الحرب. ومن زاوية هذا المقترب نستطيع القول أننا لسنا أمام واقع يفرض فيه المنتصر شروطه على المهزوم بل أمام تسوية تستند الى تنازل مشترك من قبل الطرفين عن شروط ومطالب عائدة لكل منهما قياساً مع مستوى قوة كلّ منهما الحربية. ويبدو لنا وجود مصلحة لكل من الطرفين في اعتماد هذا التباطؤ والتسويف في التفاوض. ففي حين يهدف الطرف الأول إلى إعادة تموضعه العسكري والبحث عن حجّة أو موقع جيو سياسي يعزّز وضعه التفاوضي لكي يقوّي موقفه السياسي وشروطه التفاوضية، وهذا ما تحقّق عملياً في استغلال مضيق هرمز، فلقد رأينا الطرف الثاني يعمد الى الاستفادة من هذا التباطؤ اعتقاداً منه بإمكانية اقتناع الطرف الأول بشروطه فيرضخ لها، مما يُفسح في المجال أمام تجنّب الحرب وآثارها السلبية وكذلك الحدّ من أضرارها الاقتصادية ليس فقط على الصعيد الإقليمي بل أيضاً على الصعيد الدولي.
نشير أخيراً إلى نقطة هامة وهي إمكانية أن يُضمّ إلى أي مذكرة تفاهم ملحق سرّي وهذا رائج في العلاقات الدولية وعلى أن يحتوي على بنود خاصة سريّة اتفق عليها طرفا النزاع وتبقى طي الكتمان وغير معلنة لغاية الوصول إلى اتفاق نهائي رسمي.
ومن المفارقات العجيبة أن يتمّ اللجوء الى مذكرات التفاهم MOU من أجل حلّ نزاع سياسي وعسكري يُعد من أكبر وأخطر النزاعات العالمية وألّا يُصار الى اعتماد التفاوض الجدّي المباشر لبلوغ اتفاق سلام. ففي المجال الدبلوماسي تسعى الدول الى توقيع مذكرات التفاهم في سبيل تسهيل التقارب بين الشعوب والدول وغالباً ما تشمل المجالات غير السياسية مثل مجالات التعاون في المجالات الثقافية والزراعية والرياضية وتبادل الخبرات في مختلف المواضيع. ومن المتعارف عليه أن تصبح هذه المذكرات طي النسيان وتُحفظ في الدرج.
في الختام إنها لفكرة تستحق التأمّل والتوقف عندها وهي القول المنسوب إلى الفنّان الاسباني المعروف «بابلو بيكاسو»:
«إن البشرية اخترعت كل شيء من أجل إشعال الحروب ولكنها فشلت في اختراع أي شيء يُرسي السلام».
أمّا الفيلسوف الروماني «شيشرون» فقال: «يوجد طريقتان لحلّ الأزمات: الأولى هي الحوار، أمّا الثانية فهي الحسم العسكري».
وأمام عجز الحوار والحسم العسكري عن حلّ هذه الأزمة فإننا نتطلّع الى معجزة إلهية.

* دكتور في القانون العام