حين تُذكر يافا سنة 1948، غالباً ما تُستحضر صور السقوط والتهجير والميناء الصامت والبيوت المقفلة التي ظنّ أصحابها أنّ الغياب عنها لن يطل. لكن قلّما يُطرح سؤال بسيط وعميق في آن: كيف كان يعيش الفلسطيني العادي في يافا قبل السقوط؟ وهل كان يتوقّع ما سيحدث؟ وهل كان يعتمد على سلطة الانتداب البريطاني لحمايته؟
لفهم مأساة يافا، لا بدّ من العودة إلى الحياة اليومية للناس العاديين: التاجر، والعامل، وربّة المنزل، والطالب، وصاحب المقهى، والمزارع الذي يرسل محصول البرتقال اليافي إلى المرفأ.
كانت يافا، حتى السنوات الأخيرة من الانتداب البريطاني، مدينة عربية نابضة بالحياة، ومركزاً اقتصادياً وثقافياً مهماً في فلسطين. ميناؤها يعجّ بالحركة، وأسواقها مزدهرة، وصادرات البرتقال اليافي تصل إلى أوروبا، فيما كانت المدارس والمقاهي ودور السينما والمجالس العائلية تعكس مجتمعاً مدينياً متماسكاً ومتنوّعاً.
كان الناس يتزاورون، تُقام الأعراس، تُفتح المتاجر صباحاً، ويستمرّ العمل في الميناء والأسواق. وكانت العائلات تمتدّ بين يافا والقدس واللد والرملة وغزة والقرى المحيطة، في حركة اجتماعية وتجارية اعتيادية.
لكن هذه الحياة الطبيعية كانت تحمل في طياتها قلقاً مكتوماً.
فالفلسطينيون لم يكونوا غافلين عمّا يجري. كانوا يدركون ازدياد الهجرة اليهودية، وتصاعد النشاطات العسكرية الصهيونية، والتوتر السياسي المتنامي. كما بقيت في الذاكرة آثار ثورة 1936–1939 وما تلاها من قمع بريطاني وتفكّك في البنية السياسية والعسكرية الفلسطينية.
ومع ذلك، ظلّ كثير من الناس يعتقدون أنّ هناك سقفاً يمنع الانهيار الكامل.
ذلك السقف كان، في نظر كثيرين، سلطة الانتداب البريطاني نفسها.
عيد الأضحى الأخير تقريباً... يافا في خريف 1947
حين حلّ عيد الأضحى في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 1947، أي قبل أسابيع قليلة من قرار تقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني/نوفمبر، كانت يافا لا تزال تعيش إيقاع مدينة متوسطية عربية حيّة، وإن بدأت ملامح القلق السياسي تلوح في الأفق.
في صباح العيد، كان الأهالي يتوجّهون باكراً إلى المساجد، وفي مقدّمها جامع المحمودية ومساجد الأحياء المختلفة. يرتدي الرجال والأطفال أفضل الثياب، وتتردّد عبارات: «كل عام وأنتم بخير» و«عيد مبارك» في الأزقة والأسواق والبيوت.
بعد الصلاة تبدأ الزيارات العائلية، وهي من أهمّ طقوس العيد في يافا. تُفتح البيوت لاستقبال الأقارب والجيران، وتتنقّل العائلات بين الأحياء، بل أحياناً بين يافا والرملة واللد والقدس والقرى المجاورة. تُقدَّم القهوة والحلوى، ويحصل الأطفال على «العيدية»، وتستمرّ المجالس لساعات طويلة.
أما الأضحية فكانت ركناً أساسياً من المناسبة. فالعائلات المقتدرة كانت تشتري الخراف أو تشارك في شراء الأبقار، ويوزّع اللحم بين أهل البيت والأقارب والفقراء، في مشهد يعكس روح التكافل الاجتماعي التي عُرفت بها المدينة.
وكانت الأسواق تعيش حركة ناشطة في الأيام السابقة للعيد؛ تُشترى الملابس الجديدة للأطفال، والبهارات، والرز، والقهوة، ومستلزمات الضيافة. كما كانت المقاهي تعجّ بالرجال بعد انتهاء الزيارات، حيث تدور الأحاديث السياسية واليومية.
ورغم هذا المشهد الطبيعي، لم تكن السياسة غائبة عن المجالس.
ففي المقاهي والبيوت كانت تُتداول أخبار مستقبل فلسطين، والهجرة اليهودية، والنشاطات العسكرية الصهيونية، والسياسات البريطانية، واحتمالات التقسيم. لكنّ كثيرين ظلّوا يظنّون أنّ الحياة ستستمرّ، وأنّ السلطة البريطانية، بوصفها الحاكم الفعلي، لن تسمح بانهيار شامل أو بسقوط المدن في أيدي الجماعات المسلحة.
هل اعتمد الفلسطينيون على البريطانيين؟
الجواب، إلى حدّ بعيد، نعم.
فبريطانيا لم تكن مراقباً خارجياً، بل كانت السلطة الحاكمة فعلياً. هي التي تملك الجيش والشرطة والمرافئ والمخافر والسجون والإدارة المدنية. ولذلك كان من الطبيعي أن يعتقد المواطن العادي أنّ الدولة القائمة، مهما كانت مواقفها السياسية، لن تسمح بانهيار الأمن أو بسيطرة الجماعات المسلحة على المدن.
كان كثير من الأهالي يظنون أنّ البريطانيين سيتدخلون عند الخطوط الحمراء، أو يمنعون سقوط المدن، أو على الأقلّ يحمون المدنيين.
لكن الوقائع سارت في اتجاه مختلف.
فمع اقتراب انتهاء الانتداب، بدا أنّ السياسة البريطانية تميل أكثر إلى إدارة الانسحاب المنظّم بدل فرض الأمن بالقوة ومنع المواجهة. وفي نظر عدد كبير من الفلسطينيين، شعر الناس أنّ بريطانيا بدأت تتخلّى تدريجياً عن مسؤولياتها بينما لا تزال رسمياً السلطة الحاكمة.
هنا نشأ شعور مأساوي بالتعليق بين سلطتين: سلطة قائمة لا تتدخّل بما يكفي، ومستقبل مجهول يتقدّم بسرعة.
هل كانت الحياة تسير كالمعتاد؟
إلى حدّ ما، نعم... ولكن مع خوف متزايد.
فبعد قرار تقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، بدأت الحياة اليومية تتغيّر تدريجياً.
المتاجر كانت تفتح لكن تغلق أبكر من المعتاد. الزيارات العائلية استمرّت لكن بحذر. بعض الأعراس أُقيمت بصورة أبسط. بدأ القلق من التنقّل بين المدن والطرق. بعض العائلات الميسورة أرسلت النساء أو الأطفال مؤقتاً إلى أماكن أكثر أمناً.
كانت الحياة تتحرّك وسط إحساس مزدوج: الخوف والرغبة في الاستمرار.
وربما هنا تكمن مأساة المدن التي تنهار: الناس لا يتخيّلون دائماً أنّ الانهيار الكامل قريب.
كثيرون اعتقدوا أنّ الأزمة مؤقتة، وأنّ الأمور ستُضبط سياسياً أو عسكرياً، أو أنّ الجيوش العربية ستتدخل سريعاً، أو أنّ البريطانيين لن يسمحوا بسقوط مدينة كيافا.
اختلال موازين القوة
في المقابل، كانت التنظيمات العسكرية الصهيونية - من «الهاغاناه» إلى «البلماح» و«الإرغون» و«ليحي» - تتمتع بدرجات عالية من التنظيم والتسليح والتخطيط والقدرة التعبوية.
أما الجانب الفلسطيني، فكان يعاني من تشتّت القيادة، وضعف التنظيم المركزي، ونقص السلاح، والاعتماد الكبير على المبادرات المحلية والمتطوعين.
وهنا ظهر التفاوت بين مجتمع مدني يحاول مواصلة حياته اليومية، وبين مشروع عسكري وسياسي يتحرك وفق خطط أكثر تنظيماً واستعداداً.
السقوط… والاعتقاد بأن العودة قريبة
مع تصاعد القتال والقصف والخوف في ربيع 1948، بدأت موجات الخروج من يافا. بعض الناس غادروا مؤقتاً، ظنّاً أنّ العودة ستكون بعد أسابيع أو أشهر قليلة.
أُقفلت البيوت، وحُفظت المفاتيح، وتُرك الأثاث في مكانه.
لم يكن معظم الناس يعتقدون أنّ الرحيل سيكون دائماً.
وكان كثيرون حتى اللحظة الأخيرة يظنون أنّ البريطانيين أو التطورات السياسية أو التدخّل العربي سيمنعون النهاية.
لكن النهاية جاءت مختلفة عمّا تصوّره الناس.
فسقطت يافا، وتحوّلت المدينة التي كانت يوماً من أكثر مدن فلسطين حيوية إلى شاهد على واحدة من أكبر المآسي الإنسانية والسياسية في تاريخ المنطقة.
إنّ مأساة يافا لم تكن فقط في سقوط مدينة، بل في سقوط إحساس الناس بالأمان والثقة بالنظام القائم، وفي اعتقادهم أنّ الحياة العادية يمكن أن تستمرّ بينما كانت الأرض تتحرّك من تحت أقدامهم.
ولعلّ أكثر ما يوجع في قصة يافا أنّ كثيراً من أهلها لم يغادروا وهم يظنون أنّهم يرحلون عن وطن، بل خرجوا وهم يعتقدون أنّهم سيعودون بعد أيام.