مفتي مصر: الحضارة الإسلامية مشروع متكامل جمع بين بناء الإنسان وعمارة الأكوان
أكد الدكتور نظير عياد، مفتي مصر، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن الحضارة الإسلامية ليست مجرد مرحلة زمنية في تاريخ البشرية، ولا تجربة حضارية عابرة بين التجارب الإنسانية، وإنما هي مشروع حضاري متكامل جمع بين بناء الإنسان وعمارة الأكوان، وبين تهذيب الروح وإعمار الحياة، وبين رقيّ القيم وازدهار العلوم، حتى استطاعت أن تقدم نموذجاً متوازناً يجمع بين متطلبات الدنيا ومقاصد الآخرة، ويحقق الانسجام بين احتياجات الإنسان المادية والروحية، وأن هذه الحضارة جعلت من الجمال قيمة شاملة تشمل ظاهر الإنسان وباطنه، كما تشمل الفرد والمجتمع وتحقق والعمران، فعُنيت بجمال النفس والخلق، كما عُنيت بجمال الطبيعة واللباس والبيت والمدينة، وجعلت الإحسان مبدأً يحكم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالكون من حوله، وفي الوقت ذاته فتحت أبواب العقل للنظر والتأمّل والاكتشاف، وشجّعت البحث والعلم، وحاربت الخرافة والوهم، وربطت بين التقدّم المادي والارتقاء الأخلاقي، وهو ما منحها خصوصيتها الحضارية التي لم تستطع كثير من الحضارات القديمة أو المعاصرة الوصول إليها.
وقال خلال كلمته في مؤتمر «الحضارة الإسلامية طريق التسامح والسلام والتنوير» الذي ينعقد بالعاصمة الأوزبكية طشقند أن هذا التوازن الحضاري لم يتوافر – حتى الآن – في أي حضارة عرفتها البشرية، بما في ذلك الحضارة الغربية ال9معاصرة، التي أنهكت البشرية بالحروب الدامية، وأفقدتها إنسانيتها، وأماتت روحها، وعززت فيها جوانب الشهوانية والحيرة والاضطراب والفساد، مما حقق لها الشقاء، وأفقد الإنسان الأمن والطمأنينة والحياة المستقرة، في حين أن الحضارة الإسلامية احترمت العقل، ودفعته دفعاً حثيثاً ليستكشف سنن الله في الكون، وعززت قيم الرحمة والتسامح والسلام بما يحقق مصلحة الإنسانية جمعاء، مؤكداً أنه مهما قيل عن الحضارة الإسلامية من قِبل خصومها، فلا يستطيع أحد أن ينكر أنها كانت أكثر الحضارات رحمة بالناس وأشدّها عدلاً. والواقع المعاصر شاهد على أن الحضارة الغربية لا تعطي الحقوق لأصحابها، ولا تسعى إلى مصلحة الإنسانية جمعاء، وإنما تتجه إلى تحقيق مصالحها الخاصة ولو كان ذلك على حساب القيم والمثل الإنسانية العليا، وأن استحضار الحضارة الإسلامية اليوم ليس من باب الوقوف على الماضي والبكاء عليه، وإنما من أجل حث المسلمين على الاعتزاز بحضارتهم الإنسانية المتفردة، والعمل الجاد لاستعادة قيمها ومبادئها في الواقع المعاصر.
كما أشار إلى أن التسامح والسلام في الحضارة الإسلامية ليسا شعارين يرفعان ولا موقفين ظرفيين تفرضهما المصالح أو التوازنات السياسية، بل كلاهما أصل راسخ من أصول هذه الحضارة، يستمد وجوده من العقيدة الإسلامية، ويستند إلى أحكام الشريعة، وتؤكده الأخلاق، وقد ترجمه المسلمون في ممارساتهم عبر تاريخهم الطويل.
وكلما اقترب المجتمع من هدايات الإسلام الصحيحة ازداد عدلاً ورحمة، واتسعت فيه دوائر التعايش، وصيانة الحقوق، واحترام كرامة الإنسان، بصرف النظر عن دينه أو جنسه أو لونه أو لغته. كما أن الحديث عن التسامح في الحضارة الإسلامية لا يقتصر على كونه فضيلة أخلاقية، بل يمثل منظومة حضارية متكاملة قامت على بناء الإنسان، وإقامة العمران، وتحقيق العدالة، وصيانة الحقوق، وإشاعة الأمن، وإرساء السلام بين الأفراد والشعوب، وهو ما شهد به كثير من المؤرخين والباحثين المنصفين قديماً وحديثاً.






