بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 كانون الأول 2025 12:00ص من اقرأ إلى الخوارزمية: صراع المعرفة والسلطة في العصر الرقمي

حجم الخط
د. تاليا عراوي*

التناقض الصارخ بين الانتشار الواسع للمظاهر الدينية الشكلية والافتقار الجذري للمعرفة الإسلامية الأساسية يمثل مأزقاً معرفياً وأخلاقياً عميقاً، حتى في أوساط الأفراد الذين يتميّزون بتبنّي سمات التديّن الواضحة. نشاهد على منصات التواصل الاجتماعي برامج عن اختبارات المعلومات الدينية الموجّهة للجمهور في الشارع وهي بمثابة مرآة اجتماعية تفاعلية وأداة تعليمية حيوية، حيث تنجح في تضييق الفجوة المعرفية بشكل فوري من خلال التفاعل السريع بين السؤال والجواب.
هذا النمط من التثقيف اللحظي لا يقتصر على تصحيح مفاهيم المشاركين فحسب، بل يُحفز أيضاً الوعي العام ويدفع المجتمع نحو انخراط جادّ ومدروس في أسس الثقافة الإسلامية، وذلك بأسلوب يتّسم بالإغراء والتفاعلية، ومع ذلك، ففي الوقت ذاته تسلّط هذه البرامج ضوءاً كاشفاً على حجم الفجوة المعرفية المتجذرة بين المظهر والجوهر.
هذا النقص المعرفي يمثل تحدّياً بنيوياً لجوهر الدعوة الإسلامية التي بدأت بأمر اقرأ، مؤسسةً مبدأ أن طلب العلم ليس خياراً بل واجب أساسي (فرض عين)، فالتقوى الحقيقية، بمفهومها الجوهري، هي ثمرة ضرورية للمعرفة المستنيرة، ولا يمكن اعتبارها بديلاً عنها أو منفصلة عنها. هذا الارتباط الحتمي مؤكد في النص القرآني: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، إن العلاقة السببية بين التقوى والمعرفة تترسّخ تاريخياً في الفلسفة الكلاسيكية؛ حيث رأى سقراط أن المعرفة هي الفضيلة وأن الشر والخطأ ينبعان بالأساس من الجهل.
بالتالي، فإن الاعتماد على التقليد الظاهري، بمعزل عن الأساس المعرفي المستنير، هو بمثابة بناء أخلاقي هش يتم تشييده على أسس من الجهل القابل للانهيار، وعندما تنحدر الممارسة الدينية لتصبح مجرد عادة موروثة أو تقليد شكلي بدلاً من أن تنبع من اليقين المعرفي، فإنها تفقد مناعتها وتصبح عرضة للتشويه الفكري والمغالطات العقائدية.

العجز المعرفي

يُعزى هذا العجز المعرفي إلى إخفاقات نظامية وثقافية مزدوجة، على المستوى التعليمي، غالباً ما يُركز على التلقين والحفظ الآلي بدلاً من تنمية التفكير النقدي والتأمّلي. هذا الاختزال يحوّل الدراسات الإسلامية من مجال حيوي للفهم إلى مجموعة جامدة من القواعد والتواريخ.
ثقافياً، تهيمن العادات الموروثة والتفسيرات الحرفية والجامدة على الانخراط العميق والمباشر مع النص المؤسس. هذا يخلق بيئة فكرية حيث يُنظر إلى الالتزام الظاهري (مثل طقوس محددة أو نمط لباس معيّن) باعتباره أقصى درجات التفاني، بينما يتم إهمال الجوهر الفكري والأخلاقي للإيمان الذي يتطلب استنارة مستمرة.
لفهم عمق الإخفاق التعليمي في ترسيخ محو الأمية الدينية، يجب استحضار المنظور التربوي البرغماتي. جون ديوي، رائد هذا التيار، يشدّد على أن التعليم يجب أن يكون عملية حيّة وديناميكية، مركّزاً على التفكير التأمّلي كمنهج، وليس مجرد عملية تلقين سلبية. إن التفكير النقدي، وفقاً لديوي، ليس مجرد مهارة منطقية مجردة، بل هو عملية وظيفية لحل المشكلات التي تنبع من الخبرة بطريقة منهجية ومنطقية. إن الفشل في تدريس الدين بهذه الطريقة الحيوية القائمة على التساؤل والخبرة، بدلاً من حفظ القواعد الجامدة، هو ما يفسر هشاشة الإيمان الظاهري وعدم قدرته على الصمود أمام التحديات الفكرية والمعرفية للعصر الرقمي.
يتفاقم هذا التحدّي الفكري مع تسارع الثورة الرقمية وظهور الذكاء الاصطناعي الذي يولد محتوى دينياً فورياً. تكمن الأزمة الأخلاقية المعرفية في التعلّم الديني هنا في وهم الفتوى الآلية، حيث تهاجم أنظمة الذكاء الاصطناعي مفهومي الأصالة والسلطة؛ فهي تفتقر إلى التقوى والحكمة والوعي السياقي اللازم لإصدار حكم ديني صحيح. هذا الاستسلام غير النقدي للسلطة الآلية يتعارض مع الواجب الأخلاقي الكانطي للخروج من حالة القصور الفكري. إن اللجوء إلى الآلة للبتّ في الأمور الروحية المعقّدة هو تخلّي عن الاستقلال العقلي، وتحويل للعملية الفكرية المقدّسة إلى مجرد حساب آلي بارد، وهو ما يتناقض مع دعوة القرآن الكريم للتفكّر: {وتفكّروا يا أولي الألباب}.
يتطلب التغلّب على هذا العجز العودة إلى النموذج النبوي للتعليم، القائم على الديناميكية والفقه السياقي الحيّ الذي يراعي الظروف الفردية، خلافاً للخوارزمية الجامدة. الطريق إلى الأمام ينطوي على نهج استراتيجي ذي مرتكزين: أولاً، إيلاء التعليم الأولوية لمحو الأمية النقدية للذكاء الاصطناعي، لتمكين المؤمنين من تمييز افتقار نواتجه إلى الإسناد الإنساني، ثانياً، يبرز الدور غير القابل للاستبدال للمعلم البشري في التربية الروحية والأخلاقية، حيث تُعامل التكنولوجيا كأداة مُكمِّلة لا تحل محل حكمة العالم.
إن مفارقة التقوى والجهل هي دعوة وجودية لإعادة تعريف الإيمان في زمن الخوارزميات. فالتقوى الحقيقية هي تتويج للمعرفة المستنيرة والحكمة المكتسبة، وليست مجرد مظهر أو عادة تُلتقطها الآلة. يكمن جوهر الحياة الفاضلة، كما أكد أرسطو، في العيش الواعي الذي يحقق أقصى الإمكانات العقلية والأخلاقية، وهو ما يترجم إسلامياً إلى التفكّر والتدبّر. هذا يتعارض جذرياً مع النزعة الاستهلاكية الرقمية؛ فالآلة مُصمّمة لخدمة الرغبات الفورية، مما يناقض المفهوم القرآني للتزكية (التطهير الروحي والأخلاقي)، الذي يتطلب الانضباط الفكري، والجهد، والتأمّل العميق.

التحدّي الكبير

إن التحدّي الذي تفرضه الوصاية الخوارزمية على الفهم الديني يتجاوز مجرد تحدٍّ معلوماتي إلى هجوم على جوهر التزكية كمشروع أخلاقي وإنساني. بينما تسعى الآلة لتبسيط الوحي وتحويله إلى بيانات إحصائية باردة، تظل التقوى الحقيقية هي ثمرة جهد معرفي مضنٍ يتطلب الانضباط، والتأمّل العميق، ورفض السهولة المطلقة التي تَعِدُ بها الرقمنة. الإيمان في هذا هو فعل مقاومة وجودية، خاصة في هذه الأوقات التي يكون فيها الثبات على الدين حرباً في حد ذاته.
لذا، يكمن بقاء الإنسان كذات مفكرة ومسؤولة في قدرته على صيانة استقلاله العقلي، ليظل العقل البشري هو المعيار الحيّ للصدق والإسناد، ويظل التفكّر هو الثمن الثمين الذي ندفعه مقابل الحرية الروحية والاستقامة.

* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان