بيروت - لبنان

اخر الأخبار

15 نيسان 2026 12:10ص التفاوض المباشر خطوة مشروعة من صلاحيات الدولة؟

حجم الخط
د. محمد دوغان

في لحظة سياسية دقيقة، ارتفعت حدّة النقاش في لبنان حول مسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل ليتجاوز حدوده القانونية ويدخل في دائرة الانقسام الحادّ بين التخوين والتبرير، فبين من يعتبر هذا الخيار جريمة تمسّ صلب القوانين اللبنانية، ومن يراه ممارسة طبيعية لسيادة الدولة، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة ضبط هذا الجدل ضمن إطاره الصحيح: الإطار القانوني.
إن الانطلاق من النصوص يفرض التوقف عند قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، والذي يشكّل الركيزة الأساسية التي يستند إليها البعض لأي شكل من أشكال التواصل مع إسرائيل. غير أن القراءة الدقيقة لهذا القانون تظهر بوضوح أنه وُضع لضبط سلوك الأفراد والمؤسسات الخاصة، ومنع التعامل الاقتصادي والتجاري والمالي مع العدو، ولم يُصغ كنص يقيّد الدولة اللبنانية في ممارستها لاختصاصاتها السيادية. فلا يتضمن القانون أي حكم صريح يحظر على السلطات الرسمية الدخول في مفاوضات مع دولة معادية، الأمر الذي يجعل توسيع نطاق تطبيقه ليشمل قرارات الدولة تفسيراً يتجاوز حدوده الطبيعية.
من جهة أخرى، يضع الدستور اللبناني إدارة العلاقات الخارجية والتفاوض في صلب صلاحيات السلطة التنفيذية، ممثلة برئيس الجمهورية والحكومة. فالتفاوض، في المفهوم القانوني، ليس استثناءً أو خروجاً عن القاعدة، بل هو إحدى الأدوات الأساسية التي تستخدمها الدول لإدارة نزاعاتها وتنظيم علاقاتها الدولية. وبالتالي، فإن القول بعدم جواز التفاوض يفتقر إلى سند دستوري واضح، إذ لا يوجد نص يمنع الدولة من استخدام هذه الأداة ضمن إطارها السيادي.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن التزامات لبنان الدولية، ولا سيما تلك المرتبطة بقرارات صادرة عن الأمم المتحدة، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن الدولي 1701 والقرار 1559. فهذه القرارات لا تقتصر على إعلان مبادئ عامة، بل تفرض ترتيبات أمنية وحدودية معقّدة، يستحيل عملياً تنفيذها من دون وجود قنوات تواصل وتفاوض، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة. ومن هذا المنطلق، يصبح التفاوض وسيلة تنفيذ لالتزامات قانونية قائمة، لا خياراً منفصلاً عنها.
غير أن الإشكالية الأبرز في الجدل الدائر تكمن في الخلط بين مفهومين مختلفين جذرياً: التفاوض والتطبيع. فالتفاوض هو إجراء مرحلي يهدف إلى إدارة نزاع أو الوصول إلى تسوية، بينما التطبيع يعني إقامة علاقات طبيعية ودائمة على مختلف المستويات. القانون اللبناني يجرّم التطبيع، لكنه لا ينص على تجريم التفاوض، والفارق بينهما ليس شكلياً بل جوهري، لأن الخلط بينهما يؤدي إلى توصيف قانوني غير دقيق، يحوّل أداة مشروعة في القانون الدولي إلى فعل مجرّم دون أساس قانوني صريح.
ويعزز هذا التفسير ما شهدته الممارسة اللبنانية نفسها، حيث سبق للدولة أن دخلت في مفاوضات في مراحل مختلفة، سواء في اتفاقية الهدنة عام 1949 أو في مسارات تفاوضية لاحقة ذات طابع تقني، من دون أن يُعتبر ذلك خرقاً للقانون. هذه السوابق لا تؤسس فقط لواقع عملي، بل تؤكد أن التفاوض كان دائماً جزءاً من أدوات الدولة في إدارة النزاع، حتى في ظل استمرار حالة العداء.
ومع ذلك، فإن حسم المسألة قانونياً لا يعني إنهاء الجدل حولها، فجوهر الخلاف في لبنان لا يكمن في مشروعية التفاوض بحد ذاته، بل في توقيته وشروطه والظروف التي يجري فيها، إضافة إلى ارتباطه بملفات سيادية حسّاسة، وعلى رأسها مسألة السلاح خارج إطار الدولة. وهذه كلها مسائل تخرج بطبيعتها عن نطاق التكييف القانوني، لتندرج ضمن الخيارات السياسية والاستراتيجية التي تتحمّل السلطة مسؤوليتها.
وعليه، يمكن القول إن التفاوض المباشر مع إسرائيل، من حيث المبدأ، لا يشكّل مخالفة للقانون اللبناني إذا تم بقرار رسمي وفي إطار إدارة نزاع أو تنفيذ التزامات دولية. غير أن إضفاء المشروعية القانونية على هذا الخيار لا يمنحه تلقائياً صوابية سياسية، بل يعيد وضعه في سياقه الحقيقي: خيار سيادي قابل للنقاش والمساءلة، لا جريمة قانونية مكتملة الأركان. وفي هذا التمييز تحديداً يكمن المدخل الضروري لإخراج النقاش في لبنان من دائرة الاتهام إلى مستوى النقاش العقلاني حول مصلحة الدولة وحدود سيادتها.