كنا نظن الى وقت قريب بأن وسائل التواصل الاجتماعي ستساهم بشكل مضطرد في نشر الثقافة الدينية السليمة وتوعية الناس الى جوهر الأديان، فإذا بها تساهم رغم إيجابياتها في إدخالهم في وحول الجهل ونشر الأكاذيب والأضاليل ونشر الكم الهائل من الموروثات الدينية العقيمة والزائفة التي نادى بها قديما وحديثاً أئمة الجهل والتعصب. كنا سابقاً نخشى من أن يصبح القرن الواحد والعشرين علمانياً في صيغته المنافرة والمعادية للدين، فكنا نتمنى أن يصبح العلماء المدنيون أكثر تديّناً والعلماء الدينيون أكثر انفتاحاً واستيعاباً للعلوم المدنية، وذلك خشية من أن تتحقق مقولة قالها في احدى مقابلاته الفيلسوف الفرنسي ووزير الثقافة في حكومة الجنرال ديغول André Marleau بأن القرن الواحد والعشرين إما أن يكون دينياً - أو قال روحياً - أو لا يكون. ولكننا بعد كشف المستور في وسائل التواصل الإجتماعي نشهد دخول مجموعة من علماء دين أو ممن يسمّون أنفسهم رجال دين من مقطبي الجباه ومشرئبي الأعناق ومنتفخي الأوداج وهم يروّجون لمذاهبهم بأساليب مستفزّة وحقودة ومكفهرة ومزمجرة متوعّدين من خالفهم بالإصطلاء بنار الجحيم. ولم نكتفِ بهذه الطبقة من علماء الدين المتحزّبين أو المنضوين تحت مجموعات مذهبية متشدّدة أو مزوّرة أو مكفّرة، فانفلت الملق ليطال البسطاء والجهّال وغير المتخصصين في مجال العلوم الدينية ليدلوا بدلوهم هم أيضاً في نشر الأضاليل والخزعبلات باسم الدين. هذا أضفنا إليهم أوكار المخابرات الدولية والمعادية التي تزرع الفتن بأسماء وحسابات وهمية.
كنا نلاحظ سابقاً في العصور الماضية عندما كنا نستقرأ التاريخ وخصوصاً أزمنة الصراعات الدينية بأن التحديات والإفتراءات المتلاحقة كانت تمرّ وتختفي آثارها ويبقى الدين يشعُّ نوراً لا تطفئه الأحقاد والمؤامرات وعبث العابثين، ولكننا أمام توسّع مدارك الناس ليشمل الغث والسمين وسرعة نفاذ الجهل الى عقول بعضهم دون تمحّص ولا تدبّر، ودخول الإنترنت بشبكاته العنكبوتية الى كل مدر ووبر، فإنه أصبح من الضروري البحث عن حلول إبداعية للحد من تسونامي الإفتراءات والإنفلاتات اللادينية واللا أخلاقية.
مفسدة التحريض
من هذه الافتراءات التي تنال من الفكر النيّر والعقل السليم ما يكتب وينشر لتحريض المسلمين - بالمعنى الواسع للكلمة - على بعضهم البعض. لئن قلت بمعناها الواسع فلأني لا أقصد المذاهب الإسلامية من سنّة وشيعة على جهة الحصر بل لأشمل الأحزاب والحركات الصوفية والجمعيات الدينية والدعوية والسلفية والجاهلين المتعصبين والمشعوذين ورواة الأساطير والخزعبلات والأحاديث الموضوعة والضعيفة ومرويات الكتب الصفراء المختلقة الكذوبة.
ومن هذه التحريضات ما يشمل أيضاً الأديان غير الإسلامية مع بعضهم البعض أو في تقوّلاتهم ومناقشاتهم مع الأديان الأخرى.
هذا إذا أضفنا إليهم هجمات اللادينيين على المعتقدات الدينية وتسخيفها وكل من أعتقد وآمن بها، منطلقين هذه المرة مما يكتب ويثار ويتداول من أمور مستهجنة وطقوس غريبة ومرويات مضحكة في التراث الديني.
ما يلفت النظر أن كثيراً من هذه التداولات على صفحات التواصل الاجتماعي تنفر من يقرأها من الدين، ولولا وعي العقلاء ومقدرتهم على تمييز الصحيح من الخطأ والموثّق المعتمد من المزيّف المزوّر لدخل الى اعتقاد القارئ المحايد غير الحذر بأن الدين هو أقرب ما يكون الى تعريف Salomon Reinach بأن «الدين هو مجموعة أوهام تتصدّى للنمو الحر لقدراتنا العقلية»، أو كما جاء من ضمن التعريفات التي جمعها Jean Chevalier في قاموسه عن العلوم العصرية بأنه «طلسم مرتبط ببعض الأزمنة والأماكن معتمداً على بعض النصوص يصبح الإنسان من خلال ارتباطه واعتقاده بها عديم الإرادة».
أمام هذه الهرطقات والخزعبلات والسرديات على وسائل التواصل الاجتماعي يتعيّن على عقلاء المسلمين من علماء متخصصين ومثقفين ثقات أن يبادروا الى تفنيد وتسخيف هذه النصوص بما تشمله من أحاديث ومواعظ لبعض رجال الدين وما يترافق معها من طقوس مهينة وغريبة تنتشر كالنار في الهشيم لدى عامة الناس باسم التديّن والإيمان ومحبة النبي والإمام وانتظاراً وانتصاراً لمن سيظهر في آخر الزمان.
كلنا شهدنا مؤخراً من تخبّط وتناحر لدى الشيعة والسنّة على حد سواء ما كتب وشوهد في احتفاليات عاشوراء. يعيب الشيعة على السنّة صيامهم يوم عاشوراء لحديث يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن انتداب صيام هذا اليوم الذي أنجى الله فيه موسى من فرعون، ويعيب السنّة على الشيعة ما يجري في هذه المناسبة من تطيين وزحف وتطبير وجلد ونحيب مخالفين بذلك لصحيح الدين. بينما عقلاء الشيعة من مرجعيات دينية وكبار العلماء ينتقدون ما آلت إليه بعض هذه الشعائر الحسينية دون أن يكون لكتاباتهم وخطاباتهم أي تأثير على المستوى الشعبي. كتب الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين الرئيس الأسبق للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: «على مدى التاريخ المتأخّر في الإسلام، من العصر البويهي، ولدواعٍ طائفية محضة، أُعطيت هذه الذكرى مضموناً شيعياً، وكان تزويراً حقيراً وإجرامياً في حق هذه الذكرى، وتزويراً للتاريخ واستغلالاً، على أننا نكنّ احتراماً للبويهيين، ولكنهم زوّروا التاريخ، وسرقوا الذكرى، وأعطوها مفهومهم الطائفي على حساب جوانبها الإسلامية، وكان من خطأ أرباب الفكر في ذلك أنهم استجابوا لهذا التغيير، ودرج المسلمون من ذلك الحال وإلى العصر الحديث على هذا اللون من الفهم التاريخي المُزوَّر والمخالف لحقيقة التاريخ الإسلامي. هذه المسألة أقولها من مواقع المسؤولية أمام الله، لأننا وصلنا في لبنان وفي العالمين العربي والاسلامي إلى مرحلـــــة تُنــــذر بالكارثة، من هنا أخطــــر مادة نتعامـــــل معها هي مـــــادة التاريخ وهي مـــادة حيّــــة تتجدّد باستمرار. الشيعة مخطئون في فهمهم لهذه الذكرى على أنها ذكراهم، هم ينسبون إليهم وحدهم ذكرى هي ليست لهم وحدهم بالتأكيد، حكم يزيد لم يعارضه شيعة أهل البيت وحدهم بل الكثير من المسلمين أمثال عبدالله بن الزبير وعبدالله بن عمر، والمذاهب لم تكن موجودة، كان هناك رجال ثائرون مسلمون».
وفي المطلّ الآخر السنّي يعبث بعض السلفيين الوهابيين من المذهبين الأشعري والماتوريدي وينكرون عليهما إنتمائهما لأهل السنّة والجماعة ويكفّرونهما ويحصرون هذا المصطلح بأهل الحديث. كذلك الأمر فتاوى بعض الجمعيات الدينية التي تخرج من الإيمان والإسلام ما يقال على الألسن أو ما يتصرف به المؤمنون من تصرفات دون أن يقصدوا بها الكفر والخروج عن الدين، متناسين ما نقله الإمام الشيخ محمد عبده رائد الإصلاح والتجديد الفكري نقلا عن الأئمة الأقدمين: «إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ على الإيمان ولا يجوز حَمْلُه على الكفر». كذلك ما يدور في بعض حلقات الذكر الصوفية من سلوكيات غريبة ومستهجنة ومن تبريكات وتعظيمات للمرشد الملهم الذي يرفعونه الى مقام الولاية وقطب الأقطاب.
عشرات الآلاف من صفحات التواصل الاجتماعي التي تحيد عن القيم والمبادئ الراسخة للدين، توهم القارئ غير الحذر بأن نصوصها هي من صميم الدين، فإما أن يقرأها ويتبع مقولاتها الشاذة والغريبة والكذوبة، وهذا ما يحصل عند كثير من عوام الناس، وإما إن يهجر الدين بلا أسف عليه دون أن يحمل نفسه عناء البحث والتنقيب على ما يقبله العقل السليم وما أرشد إليه علماء الأصول في تعريفهم لصحيح الدين كما ورد في شرح البيجوري على جوهرة التوحيد: «الدين هو وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود الى ما هو خير لهم بالذات».
بات من المحتّم على المرجعيات الدينية التنبيه الى مخاطر ما ينتظر الدين من تضليل وتسخيف. رغم أن أكثر هذه المرجعيات وقفت وقفة خذلان وانتظار وعدم مقدرة على تدبّر هذه التحدّيات. ما زالت الى الآن هذه المواقف للقادة الدينيين تتأرجح بين جمود وسكوت أو عجز وشعور بالإحباط، الى درجة أننا أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من أن يتحوّل - بسبب هذه الفوضى - القرن الواحد والعشرين الى لا ديني... لا سمح الله.