بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 حزيران 2026 12:00ص المقاصد وبيروت.. ثنائية الوعي والهوية (11)

تمام سلام: التحصين والصمود في وجه الانهيار

حجم الخط
إذا كان انتقال الأمانة المقاصدية من الرئيس صائب سلام إلى نجله معالي تمام سلام (الرئيس الثالث عشر لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية) في مطلع خريف عام 1982م قد جرى بسلاسة إدارية ونظامية عقب انتخابه رسمياً، إلّا أنه جرى ميدانياً والبلاد تغرق في أتون واحد من أحلك منعطفاتها التاريخية وأكثرها دموية. تسلّم «أبو صائب» دفة القيادة في العام نفسه الذي شهد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، وحصار العاصمة، وتعاظم شرور خطوط التماس، والانهيار المتسارع في قيمة النقد الوطني. لم تكن مهمة الرئيس الجديد مجرد إكمال لمسيرة التطوير، بل كانت «معركة إنقاذ وجودية» معقّدة للحفاظ على استقلالية المؤسسة، وحمايتها.
واجه تمام سلام الإعصار متمسّكاً بالثوابت التاريخية للمقاصد عبر خمس ولايات متتالية، حيث أُعيد انتخابه رئيساً لمجلس الأمناء في الأعوام: 1986، 1990، ومطلع التسعينيات، وصولاً إلى ولايته الخامسة والأخيرة في أواخر ذلك العقد.

• صمود المؤسسات والوحدة الجغرافية وتحدّي الهوية اللغوية

مَثّلت المحافظة على «وحدة المقاصد» جغرافياً وإدارياً وإنسانياً الإنجاز الأبرز لتمام سلام في ثمانينيات القرن الماضي؛ ففي وقت انقسمت فيه بيروت بالمتاريس إلى «شرقية وغربية» وتقطّعت أوصال الوطن، رفضت الجمعية الاستسلام لمنطق الانعزال، مكرّسة دورها كجسر وطني جامع.

• معركة الهوية وتعريب العلوم (1984م)

في خضم الحرب وضمن رؤية الجمعية القومية والوطنية، اتخذ سلام قراراً إستراتيجياً نوعياً بالتوجه نحو «تعليم العلوم والرياضيات باللغة العربية في المرحلة المتوسطة»، لتمكين الهوية اللغوية للطلاب وتأصيل الانتماء الثقافي في مواجهة آثار التغريب الفكري والتفتيت الاجتماعي الذي أحدثته سنوات الاقتتال.

• مواجهة حصار عام 1982

تحوّلت مدارس الجمعية ومقراتها خلال الاجتياح إلى مراكز آمنة لإيواء النازحين من مختلف المناطق، وتكاملت جهود كشافة المقاصد في عمليات الإغاثة، وتوزيع الحصص التموينية، وفتح ممرات إنسانية شجاعة لإيصال الطحين والماء والدواء إلى الأحياء الشعبية المحاصرة تحت سيل النيران.

• المهرجانات المقاصدية الكبرى بالملعب البلدي

في غمرة التحوّلات السياسية والاجتماعية بين الحرب والسلم، أراد تمام سلام أن يثبت للداخل والخارج أن المقاصد هي نبض بيروت النابض بالاعتدال، وأن رسالتها أقوى من المتاريس والجراح. وتحت رغبته في تأكيد مرجعية الجمعية السيادية، احتضن «الملعب البلدي في بيروت» محطتين احتفاليتين حاشدتين غير مسبوقتين في تاريخ العاصمة، تحولتا إلى تظاهرتين وطنيتين هامتّين:
1. الاحتفال الأول بحضور الرئيس أمين الجميل (أيار 1983م): بمناسبة ذكرى 105 سنوات على تأسيس جمعية المقاصد، والتي حُمّلت شعار «105 سنوات أصالة وتجدّد»، رعى وحضر رئيس الجمهورية أمين الجميل مهرجاناً كشفياً وتربوياً ضخماً في الملعب البلدي امتدت فيه المدرجات بعشرات الآلاف من اللبنانيين من كافة الأطياف. وكان هذا الحضور الرئاسي والسياسي الرفيع بمثابة رسالة بليغة وتثبيت لشرعية المقاصد التاريخية؛ حيث أكد المهرجان أن بيروت ترفض الأمن الذاتي الميليشياوي وتتمسّك بالدولة والمؤسسات الشرعية، وأن المقاصد ستبقى دائماً خط الدفاع الأول عن عاصمة العيش المشترك.
1. الاحتفال الثاني والتلاحم مع النهضة الحريرية (تسعينيات القرن الماضي): شهدت حقبة التسعينيات تناغماً وعمقاً إستراتيجياً بين النهج المقاصدي لتمام سلام والرؤية التعليمية والإعمارية الطموحة التي قادها رئيس مجلس الوزراء الشهيد رفيق الحريري. وتحت رعاية وحضور الرئيس الحريري، وبمناسبة مرور 115 عاماً على تأسيس الجمعية، رعى الحريري المهرجان السنوي الأسطوري في الملعب البلدي. مَثّل هذا الاحتفال ذروة الإعلان عن قيامة «بيروت الجديدة» من رحم المعاناة؛ حيث ألقى الرئيس الحريري كلمة تاريخية حيا فيها صمود المقاصد ورئيسها، وشهد الملعب عروضاً رياضية وفنية مبهرة لطلاب وطالبات المقاصد جسّدت إرادة الحياة والعبور نحو السلم الأهلي المستدام، وتكاملت مع ورش إعمار وتوسيع الثانويات الكبرى كـ «خالد بن الوليد» في البربير (1990م) و«علي بن أبي طالب» في الأشرفية، ودعم المدارس المجانية الشعبية.

• الاستجابة الإغاثية: افتتاح المراكز الصحية والاجتماعية

أمام تفاقم الجراح الاجتماعية وتفكك خطوط الدفاع المدني والإنساني في العاصمة، شهدت الفترة الممتدة بين عامي 1983 و1984م فورة تدشين وإطلاق لثلاثة مراكز حيوية تخصصية أرادها تمام سلام أن تكون أدوات الجمعية المباشرة لتحصين المجتمع البيروتي وتثبيته في أرضه:
1. المكتب الصحي الاجتماعي المقاصدي (1404هـ / 1983م).
2. المركز المقاصدي للطوارئ الاجتماعية (1405هـ / 1984م).

• إذاعة «صوت الوطن» (رمضان 1404هـ / حزيران 1984م) 

في غمرة الأحداث العاصفة التي هزت العاصمة، أطلق تمام سلام إذاعة «صوت الوطن» لتكون الناطق الرسمي باسم الخط المقاصدي والبيروتي الوطني الأصيل. وتحوّلت سريعاً إلى منبر سياسي وتوجيهي من طراز رفيع، يذيع مواقف المقاصد الداعية إلى السلم الأهلي ووحدة لبنان.
بالتوازي مع تنشيط «دار المقاصد الإسلامية للطباعة والنشر» ومجلتها الدورية.

• مستشفى المقاصد: الملحمة الطبية وحصن طريق الجديدة

في وقت كانت فيه المؤسسات الصحية الحكومية والخاصة تعاني من الشلل التام أو الدمار نتيجة خطوط التماس، تحوّل مستشفى جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في منطقة طريق الجديدة إلى الحصن الصحي الأساسي لبيروت الغربية والمناطق المجاورة. شهد المستشفى صموداً وتطوراً استثنائياً شكّل ملحمة إنسانية حقيقية:
1. الطوارئ المستدامة والمستشفيات الميدانية: استقبل المستشفى عشرات الآلاف من جرحى القصف والاشتباكات والاجتياح الإسرائيلي. وبسبب استهدافه المتكرر بالقذائف، جرى باستشراف عالٍ استحداث وتجهيز غرف عمليات متكاملة ومحصنة تحت الأرض.
2. تأسيس كلية التمريض والعلوم الصحية (1986م): لرفد المستشفى والمجتمع اللبناني بكفاءات تمريضية عالية المستوى في أوج الأزمة، جرى تفعيل وتطوير مدرسة التمريض لتصبح كلية جامعية تابعة لجامعة المقاصد، تُمنح خريجاتها الإجازات الجامعية المعترف بها رسمياً من الدولة اللبنانية. وجاءت هذه الخطوة بالتزامن مع مرحلة قاسية شهدت «توقف كلية صدام حسين الطبية (1984م)» نتيجة لظروف الحرب وتداعياتها السياسية والأمنية.

• الثورة الرقمية: المكننة الشاملة وتحدّي الحداثة التربوية

مع انطفاء مدافع الحرب الأهلية وإقرار اتفاق الطائف عام 1989م، دلف لبنان إلى حقبة جديدة عنوانها إعادة الإعمار والنهوض البنيوي. انفتح الأفق أمام تحدٍ من نوع آخر أدركه تمام سلام مبكراً، وهو أن السلاح الحقيقي للمستقبل هو «المعلوماتية». وضمن هذه الرؤية التحديثية، تم تأسيس مركز الكمبيوتر والمعلومات (1985م - وتفعيله الشامل في التسعينيات)، حيث جرى ربط المديريات العامة وشبكة المدارس بنظام إلكتروني موحّد لإدارة الملفات والمحاسبة وشؤون الطلاب، مما قضى على الترهّل الإداري وضبط الهدر المالي.

• مأسسة التعليم العالي

خطا العهد خطوة مفصلية بنيل «الترخيص القانوني للمعاهد العليا الثلاثة في 15 تشرين الأول 1986م» بمرسوم رسمي من الدولة اللبنانية، تلاها خطوة لوجستية بالغة الأهمية بـ «انتقال المعهد العالي للدراسات الإسلامية إلى منطقة المصيطبة في 31 آذار 1987م»، ليتكامل هذا الصرح مع «مكتبة المقاصد وقسم البحوث في الدراسات الإسلامية» لتصبح المرجعية الفكرية والفقهية المستنيرة لخط الجمعية المعتدل. وتُوّج هذا السعي الأكاديمي الطويل في نهاية المطاف بانتزاع «الترخيص القانوني لـ جامعة المقاصد الإسلامية عام 2000م» لجمع الكليات كافة تحت مظلة جامعية شرعية معترف بها رسمياً.

• الامتداد الإعماري والتأهيل المهني

شهد العهد معالم عمرانية بارزة أبرزها «افتتاح جامع سليم علي سلام في المصيطبة عام 1986م» تخليداً لإرث الأجداد، كما دُشن «مركز عبد الهادي الدبس للإعداد المهني والفني في منطقة قصقص» ليحدث قفزة نوعية في تأهيل وتدريب الشباب البيروتي لمتطلبات سوق العمل الصاعد بعد الحرب، وافتتحت الجمعية «ثانوية عبد السلام بوعزة الجزائري في منطقة الحمراء» كتوسّع تعليمي في قلب رأس بيروت. 

• بين حتمية الصمود ومكابدة التقشف المالي

صحيح أن المقاصد في عهد رئيسها تمام سلام في قد حافظت على صمودها وديمومتها، متجاوزة كل الصعاب والتحديات، التي فرضتها ظروف القهر الاقتصادي وانعكاسات الحرب المستمرة، وأبرزها أزمة السيولة الحادّة والتضخم المالي الرهيب الذي أصاب العملة الوطنية، وتراجع المساعدات والهبات الخليجية والعربية الشحيحة عقب حرب الخليج. وأمام هذا الواقع، اضطرت الجمعية، تحت وطأة العجز المالي المتراكم، إلى اتخاذ قرارات تقشفية مؤلمة وقاسية شملت دمج بعض المدارس الابتدائية المجانية وتوقيف العمل ببعض التقديمات الاجتماعية، إضافة البطء في استثمار العقارات والأوقاف الشاسعة، نتيجة غياب الرساميل والمستثمرين الجريئين بسبب عدم استقرار المناخ السياسي والأمني العام في البلاد.

• تسليم الأمانة ناصعة قوية إلى أمين الداعوق

في عام 2000م، ومع بزوغ فجر الألفية الثالثة، وبعد ثمانية عشر عاماً من القيادة الحكيمة، الهادئة، والرصينة في واحدة من أعقد حقب التاريخ اللبناني، فضّل تمام سلام التخلي طوعاً وبنبل عن سدة رئاسة جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت، كي لا يحمل الجمعية التبعات السياسية بعد اخفاقه في انتخابات بيروت النيابية معلناً بكل جرأة وشجاعة اخلاقية استقالته الرسمية وترجّله عن مجلس الأمناء». وسلّم دفة القيادة والأمانة إلى نائب رئيس الجمعية حفيد رئيسها التاريخي المهندس أمين محمد الداعوق، ليستكمل مسيرة الوعي والهوية.
لقد نجح تمام سلام في صون «استقلالية قرار المقاصد الحر» في زمن الوصايات والعواصف، لتظل الجمعية كما أرادها الآباء والأجداد: حصن بيروت المنيع، وعاصمة الاعتدال والوعي التي لا تنكسر.

- يتبع: أمين الداعوق: المأسسة، التحديث الصرحي