بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 حزيران 2026 12:00ص لنا في الهجرة مثالاً يُقتدى به

حجم الخط
الحمد للّه الذي جعل لنا مثالاً يُقتدى به في هجرة النَّبيِّ المصطفى، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأنصاره ومن اتبعهم بإحسانٍ الى يوم الدِّين، فهي لم تكن مجرَّد حدثٍ تاريخيٍّ عابرٍ، أو حركةِ ارتحالٍ جغرافية ناجمةٍ عن ظروف اللحظة الطارئة؛ بل كانت تحولاً استراتيجياً حاسماً، وإعلاناً كونياً عن ولادة عصر جديد. إنها فلسفة حركةٍ تؤسس لرفض الخنوع، وتضع الدستور الأول لحرية الإنسان وكرامته، وترسم معالم المجتمع الفاضل الذي يتوق إليه البشر. 
هجر النَّبيُّ أحب بقاع الأرض على قلبه هاجراً أهلها، هاجراً شركهم فيها، هاجراً بغضهم للحق، هاجراً ظلمهم للمؤمنين، هاجراً أفعالهم من قتلٍ وتعذيبٍ وذمٍّ للقلوب النقية، والأرواح الطيبة، قلوب وأرواح صحابته والآل الكرام، مهاجراً الى المدينة المنورة حيث ساد الحب والعدل والامن وراحة البال.
لم يبدأ ببناء القلاع العسكرية، بل بدأ ببناء الإنسان عبر خطوتين تشريعيتين وتواصليتين عبقريتين: بناء المسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. هذه المؤاخاة هي التجلي الأسمى للعيش بين المؤمنين، حيث ذابت الفوارق الطبقية، والقبلية، والمادية. في هذا المجتمع الجديد، تحوّلت القيم النبيلة من شعارات برّاقة إلى سلوكيات يومية معاشة، تجلَّت أولاً بالحب والاحترام حيث صار المهاجر والأنصاري يقتسمان اللقمة والدار، لا عن غبن، بل عن طيب نفس ورضا وثانياً: بالأمن والأمان حيث تحقق الأمن النفسي والاجتماعي بعد سنوات الخوف المكي، فصار المرء ينام ملء جفنيه لعلمه أن هناك نظاماً عادلاً يحميه، ومجتمعاً متكافلاً يسنده. وثالثاً: براحة البال وسلامة الصدرحيث غابت الأحقاد والضغائن التي يذكيها الظلم، وحلّت محلها السكينة والطمأنينة التي هي ثمرة طبيعية لسيادة العدل وحسن التعامل.
إنَّها مدرسة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، تُخرج النَّاس من الظُّلمات إلى النُّور، وما أحوج الأمَّة اليوم إلى العودة إليها، ما أحوجنا الى تصفية قلوبنا تجاه بعضنا البعض وتنقيتها من الغلّ والحقد والحسد والبغضاء، ولنزرع المحبة والاحترام، وما أحوجنا الى تكافلنا لبعضنا البعض في ظل نظام عادل يحفظ حقوق كل واحد منا، وما أحوجنا أيضاً الى راحة البال وسلامة الصدر نتيجة لسيادة العدل والحُسن التعامل.
في هذه المناسبة الجليلة، نسأل الله ربَّ العرش العظيم أنْ يعيدها علينا وعلى جميع المسلمين والمؤمنين بالأمن والأمان والنصر على الأعداء، وأنْ يلهمنا العودة إلى سُنَّة نبيِّه ومدرسته صلَّى الله عليه وسلَّم، عسى أن نحافظ بذلك على وطننا العربي والإسلامي عموماً ولبناننا العزيز خصوصاً من كيد الأعداء الطامعين، وأن نحرِّر به جنوبنا العزيز ونسترد به أقصانا، وفلسطيننا الحبيبة من أيدي الصهاينة المجرمين أعداء الإنسانيَة والبشريَّة والدِّين الحنيف، وكلَّ عامٍ وأنتم بخيرٍ.

* الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب