افتُتِحت أعمال المؤتمر المصرفي العربي السنوي لعام 2025 في فندق «فينيسيا إنتركونتيننتال» بيروت، تحت عنوان: «الاستثمار في الإعمار ودور المصارف»، وسط مشاركة واسعة من ممثلين عن المصارف العربية والدولية، والهيئات الاقتصادية، والاتحاد الدولي للمصرفيين، وجامعة الدول العربية، برعاية وحضور رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ممثّلًا بوزير المال ياسين جابر.
الحدث الذي طال انتظاره، أعاد إلى العاصمة اللبنانية نبض المؤتمرات الاقتصادية الكبرى، في مشهد يؤشر إلى عودة تدريجية للحياة المالية والاقتصادية إلى لبنان، وعودة بيروت مركزًا للحوار المصرفي العربي.
استهلّ وزير المال ياسين جابر الجلسة الافتتاحية بكلمة نقل فيها تحيات رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، مؤكدًا أنّ انعقاد المؤتمر في بيروت بعد سنوات من الأزمات يعبّر عن إرادة عربية مشتركة في دعم لبنان واقتصاده.
وقال جابر: «لبنان طائر الفينيق الذي ينهض من الركام… وهذه ليست صورة شعرية، بل حقيقة أثبتها اللبنانيون عبر إرادتهم الاستثنائية في البقاء والإنتاج».
وعرض جابر مسار الأزمة الماليّة منذ عام 2019، مشيرًا إلى تراجع الناتج المحلي، تضخّم تجاوز 200%، وتداعيات الحرب الإقليمية والاعتداءات الإسرائيلية التي خلّفت خسائر قُدّرت بأكثر من 7 مليارات دولار.
وأضاف:«رغم عمق الأزمة، لم ينهَر لبنان… واليوم نبدأ مرحلة مختلفة، عنوانها استعادة الثقة وبناء اقتصاد منتج ومستدام».
قدّم جابر ملامح الرؤية الحكومية للتعافي، المرتكزة إلى ثلاثة محاور رئيسية: إعادة هيكلة القطاع المصرفي، تعديل قانون السرية المصرفية، إقرار قانون الإصلاح المصرفي وتطويره بالتعاون مع المجلس الدستوري وصندوق النقد، صياغة حل عادل للودائع العالقة، يحمي المودعين ويُعيد الانتظام المالي.
أما المحور الثالث، فعنوانه: إصلاح القطاع العام وتفعيل دور الدولة لتصبح محفِّزًا لاستثمارات القطاع الخاص
في هذا السياق، نسعى إلى ترسيخ عقدٍ اجتماعي جديد يُعيد التوازن بين الدولة والمواطن، ويضع العدالة ودولة القانون في صميم التحوّل المنشود. عقدٌ يقوم على شراكةٍ حقيقيةٍ بين الدولة والمواطن والقطاع الخاص، مبنيّة على الثقة، والمساءلة، والشفافية.
واضاف: لذلك، تتخذ الحكومة خطوات لتفعيل الحوكمة، وتطوير أنظمة حديثة، ومؤسسات موثوقة، وأطر قانونية سليمة، وتعزيز استقلالية القضاء وتفعيل الهيئات الرقابية وتعيين الهيئات الناظمة (للكهرباء والاتصالات والطيران المدني)، للمساعدة في إعادة هيكلة هذه القطاعات وتشكيل مجالس إدارة جديدة (المرافئ والمطار ومجلس الانماء و الاعمار) لتحسين وتفعيل ادارة هذه المرافق. كما تعمل الحكومة على وضع الخطط لإعادة اعمار ما تهدم وذلك بالتعاون مع البنك الدولي واصدقائنا في العالم على امل جذب الدعم المالي المطلوب لتنفيذ هذه الخطط لأنه من الصعب على لبنان القيام بذلك منفرداً ولا يسمح الوضع المالي والاقتصادي بذلك.
هذه الخطوات تُعيد للدولة دورها كمنظّم ومسهل للاستثمار، لا منافس له.
وأشار جابر إلى أنّ الحكومة تتجه لاعتماد عقد اجتماعي جديد يعيد التوازن بين الدولة والمواطن، ويستند إلى الحوكمة، استقلالية القضاء، وتفعيل الهيئات الناظمة.
وأكد أنّ لبنان يسعى إلى العودة لاعبًا اقتصاديًا في مشاريع البنية التحتية الإقليمية، وتطوير مرافئه ومطاراته لتصبح مراكز إقليمية للنقل والخدمات.
في كلمته، قدّم رئيس جمعية مصارف لبنان الدكتور سليم صفير موقفًا واضحًا وصريحًا حول الأزمة المصرفية، معتبرًا أنّ المصارف اللبنانية تعرّضت لـ«حملات ظالمة»، وقال:المصارف لم تُنفق الأموال على رواتب ضخمة، ولم تهدر المليارات… تحميلها وحدها مسؤولية نظام مالي كامل هو ظلم صارخ.
وأكد صفير أنّ القطاع المصرفي صمد وحافظ على بنيته رغم الانهيار، لكنه اليوم أمام «فرصة تاريخية لبداية جديدة» في عهد الرئيس جوزاف عون وحكومة نواف سلام وحاكم مصرف لبنان الدكتور كريم سعيد.
ووجّه صفير نداءً إلى وزير المال لإعادة النظر بآلية إشراك جمعية المصارف في صياغة القوانين المالية، معتبرًا أنّ دورها «يجب أن يكون شراكة فعلية لا استشاريًا شكليًا».
وأكد انه لا يمكن لأي اقتصاد أن ينهض من دون قطاع مصرفي قوي… وأي محاولة لإضعاف المصارف هي محاولة لضرب الاقتصاد الوطني.
أما رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق محمد شقير، فشدّد على أنّ وجود الأشقاء العرب في بيروت «رسالة ثقة» بأن لبنان يعود تدريجيًا إلى محيطه العربي والدولي، مؤكدًا «نقف اليوم على أعتاب صفحة جديدة بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة.
وأشار شقير إلى أنّ لدى لبنان قدرات ضخمة، لكنه يحتاج إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب، تطوير البنية التحتية، معالجة الفجوة المالية، تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، دعوة إلى المصارف والمستثمرين العرب.
وقال شقير: ندعو المصارف العربية إلى استكشاف الفرص الواعدة والدخول في شراكات استراتيجية»، مشيرًا إلى أن الدولة بدأت اعتماد مقاربة جديدة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، والخصخصة المدروسة، والـBOT.
وختم قائلا: من المتوقع أن يسجّل الاقتصاد اللبناني نمواً بنسبة 5% في العام 2025، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 18 مليار دولار بعد الانهيار إلى ما بين 38 و40 مليار دولار حالياً، كما شهد لبنان خلال السنوات الماضية تدفّق استثمارات تُقدّر بين 5 و6 مليارات دولار.
من هنا، وانطلاقاً من أهداف الدولة اللبنانية في مؤتمر بيروت 1، أتوجّه إلى رجال الأعمال العرب بالدعوة إلى الاستثمار في لبنان، الذي كان وسيبقى وجهة استثمارية مميزة، غنية بالفرص الواعدة في القطاعين العام والخاص».