حزمة الضرائب الجديدة: إنقاذ للخزينة أم تعميق لأزمة الاقتصاد اللبناني؟
نوال أبو حيدر
تعدّ السياسة الضريبية من أهم الأدوات التي تعتمدها الدول لتحقيق التوازن المالي وتأمين الموارد اللازمة لتمويل النفقات العامة، إلّا أنّ اللجوء إلى زيادة الضرائب والرسوم في ظل الأزمات الاقتصادية يثير الكثير من الجدل، لا سيّما عندما ينعكس ذلك بشكل مباشر على حياة المواطنين ومستوى معيشتهم.
وفي هذا الإطار، أقرّت الحكومة اللبنانية حزمة جديدة من الزيادات الضريبية والرسوم شملت ضريبة القيمة المضافة ورسوم المحروقات وغيرها من الرسوم، بهدف زيادة الإيرادات العامة والحدّ من العجز المالي، إضافة إلى تلبية جزء من متطلبات الإصلاح المالي التي تطالب بها المؤسسات الدولية والدول المانحة. غير أنّ هذه الإجراءات أثارت موجة واسعة من الانتقادات، إذ يرى كثيرون أنها تزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين، خاصة في ظل تدنّي الأجور وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، بينما يعتبرها آخرون خطوة ضرورية لتعزيز موارد الدولة وإعادة انتظام المالية العامة.
ومن هنا تبرز أهمية دراسة أسباب إقرار هذه الزيادات الضريبية في هذا التوقيت، وتحليل آثارها الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين والأسواق، وبيان مدى تأثيرها في الأسعار والقدرة الشرائية، إضافة إلى مناقشة المخاطر التي قد تنجم عن اعتماد الدولة بشكل متزايد على الضرائب والرسوم لتمويل نفقاتها. كما يقتضي الأمر تقييم ما إذا كانت هذه الإجراءات تشكّل جزءا من حل الأزمة المالية وإصلاح الاقتصاد، أم أنها تؤدي إلى تعميق الركود الاقتصادي وزيادة الضغوط المعيشية على المواطنين، وهو ما يجعل هذا الموضوع من القضايا الاقتصادية الأكثر أهمية وإثارة للنقاش في لبنان في المرحلة الراهنة.
دوافع حكومية لزيادة الإيرادات
في سياق متصل، يؤكد الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أنيس أبو دياب، في حديث لصحيفة «اللواء»، أن «أي حكومة أو سلطة تلجأ إلى زيادة الضرائب يكون هدفها الأساسي تعزيز إيراداتها، بما يتيح لها تغطية النفقات الجارية، إلى جانب تأمين موارد يمكن توجيهها إلى النفقات الاستثمارية».
ويوضح أن «للسياسات الضريبية أهدافا أخرى في بعض الحالات، إذ قد تعتمد الحكومات رفع الضرائب كأداة للمساهمة في كبح التضخم، باعتبار أن زيادة الضرائب تؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، وهو ما ينعكس انخفاضا في حجم الطلب، وبالتالي تراجعا في معدلات النمو والتضخم».
ويشير إلى أن «الهدف الأساسي للحكومة اللبنانية في المرحلة الحالية يتمثل في زيادة الإيرادات الضريبية، وذلك من خلال توسيع الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، إضافة إلى الرسوم، بهدف تعزيز موارد الخزينة العامة».
التوقيت عامل حاسم
وفي سياق آخر، يشدّد أبو دياب على أن «توقيت فرض الضرائب يُعد من أبرز العوامل التي تحدد نجاح أي سياسة اقتصادية، سواء كانت مالية أو نقدية»، مؤكدا أن «أي إجراء ضريبي يجب أن يستند إلى دراسة دقيقة للواقع الاقتصادي».
ويوضح أن «لبنان يمرُّ حاليا بحالة من الركود التضخمي وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل فرض ضرائب جديدة في هذه المرحلة أمرا من شأنه أن يفاقم الأزمة الاقتصادية، بدلا من تحقيق النتائج المرجوة، مشيرا إلى أن الانعكاسات الضريبية قد لا تكون مدروسة بالشكل الذي تتوقعه الجهات المعنية».
ويضيف أنه «حتى لو كانت الحكومة تراهن على أن تؤدي الزيادات الضريبية إلى رفع الإيرادات بنحو مليار دولار، فإن استمرار انكماش الاقتصاد وتراجع النشاط الاقتصادي قد يحولان دون تحقيق هذا الهدف، ما يعني أن الإيرادات المتوقعة قد لا تتحقق بالشكل المأمول».
انعكاسات مباشرة على الأسعار
أمام كل تلك المعطيات، يوضح أبو دياب أن «أي ضريبة غير مباشرة، ولا سيما تلك التي تطال الاستهلاك، تنعكس تلقائيا على أسعار السلع، مشيرا إلى أن ضريبة القيمة المضافة يتحمّلها في نهاية المطاف المستهلك النهائي، لأنها تضاف مباشرة إلى سعر السلعة».
ويضيف أن «نحو 80% من السلع في لبنان مستوردة، وبالتالي فإن أي زيادة في الرسوم تؤدي تلقائيا إلى ارتفاع الأسعار»، مشيرا إلى أن «رفع ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1% يعني زيادة مماثلة على قيمة السلعة وما يرتبط بها من نفقات، قبل أن تنتقل عبر كامل سلسلة التوريد، من المستورد وتاجر الجملة إلى تاجر المفرّق، وصولا إلى المستهلك النهائي، ما يؤدي إلى تفاقم إضافي في الأسعار».
ويلفت أبو دياب إلى أن «الزيادات في رسوم المحروقات ستنعكس بدورها على أسعار مختلف السلع والخدمات»، موضحا أن «نحو 70% من السلع تعتمد على النقل ورأس المال التشغيلي، الذي تدخل فيه كلفة المحروقات، سواء عبر الكهرباء أو النقل أو غيرهما من عناصر الإنتاج. وبالتالي، فإن زيادة الرسوم على المحروقات، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط، تفرض أعباء إضافية على كلفة تشغيل وإنتاج السلع، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى مضاعفة الارتفاع في أسعارها وتحميل المستهلك العبء الأكبر».
مخاطر الانكماش والركود
وعن المخاطر الاقتصادية الناتجة عن اعتماد الحكومة على الضرائب والرسوم لتمويل نفقاتها، يوضح أبو دياب أن «أبرزها يتمثل في زيادة الانكماش الاقتصادي والدخول في مرحلة من الركود التضخمي، وهي الحالة التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني حاليا، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويؤخر مسار التعافي وإعادة النمو».
ويشير إلى أن «رفع الضرائب لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف المرجو منها، إذ إن زيادة الأعباء الضريبية قد تؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية لدى المستهلكين، ولا سيما أصحاب المداخيل المحدودة، في ظل واقع اقتصادي تعاني فيه معظم الفئات في لبنان من ضعف في مستويات الدخل».
ويضيف أن «تراجع القدرة الشرائية لنحو 80% من الشعب اللبناني سينعكس سلبا على الحركة الاقتصادية والاستهلاك، وبالتالي قد يؤدي إلى انخفاض الإيرادات بدل زيادتها، ما يعرقل قدرة الحكومة على تحقيق الأهداف المالية التي تسعى إليها من خلال رفع الضرائب والرسوم».
الإصلاح قبل الضرائب
وفي خلاصة حديثه، يؤكد أبو دياب أن «الزيادات الضريبية في المرحلة الراهنة لا تشكّل حلا للأزمة المالية ولا تؤدي إلى تحسين إيرادات الدولة، بل على العكس قد تساهم في تعميق الركود التضخمي وانعكاساته السلبية على الاقتصاد».
ويشدّد على أن «الدولة بحاجة فعلية إلى تعزيز إيراداتها، لكن من خلال إجراءات أكثر فاعلية، أبرزها تحسين الجباية، والعمل على إدخال الاقتصاد غير المسجل ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية، إضافة إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي والقطاع العام، وضبط الاقتصاد النقدي، بما يساهم في تعزيز موارد الخزينة».
ويختم: «الأولوية يجب أن تكون لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة قبل اللجوء إلى فرض زيادات ضريبية تطال مختلف شرائح المجتمع بشكل متساوٍ، خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمرّ بها المواطنون وتراجع قدرتهم على تحمّل أعباء إضافية».






