في لبنان... حين تصبح زلّات اللسان الطائفية والعنصرية أفتك من الرصاص
لبنان بلد طائفي حتى العظم، بتكريس من الدستور والقوانين والأعراف والتقاليد وتوزيع السلطة. وواقع الأمر أن مواطني لبنان في ظل هذا النظام الطائفي المشحون بالمواقف الفئوية والتعصب الأعمى، قد تصدر عنهم، على اختلاف انتماءاتهم وميولهم، مواقف متشنجة ومنفعلة، ولا عجب في ذلك، فما يقال في الزوايا وعبر الوشوشات ليس مجرّد زلّات لسان أو «فشّات خلق» وانفعالات عابرة، بل قناعات راسخة، كثيراً ما تتحوّل إلى مادة للتعبئة والانقسام عند كل أزمة. وهذه هي الحقيقة المُرّة ولو اختبأنا خلف أصابعنا.
لقد أصبحت زلّات لسان المسؤولين والتصريحات المنفلتة للسياسيين أمراُ معهوداً، ويشاركهم في ذلك، للأسف، بعض رجال الدين من جميع الطوائف والمذاهب، الذين انزلقوا إلى وحول المناوشات السياسية ومستنقع التصريحات الطائفية.
مؤخراً، دار خلاف أساسي حول جلسة تشريعية تهدف إلى بحث قانون العفو المشترك، حيث انسحب نواب «تكتل الجمهورية القوية» (القوات اللبنانية) من الجلسة. وردّاً على عدم انسحاب بعض النواب الآخرين، قال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع: «النواب السنّة بالأكثرية، في كم «سعدان» ثانيين هول غير بحث صار... الأكثرية بياخدوا قرار بالتغيّب عن الجلسة».
لكن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، بل هي غيض من فيض الممارسات والمحطات في السياسة اللبنانيّة، من تلميحات طائفية وعنصرية صدرت عن سياسيين، بعضها متعمّد وبعضها الآخر نتيجة انفعال أو غضب أو زلّة لسان. وجميعها أثارت ردود فعل عنيفة، وكادت تمهّد لاندلاع الفتن.
ومن أبرز الأمثلة على الخطاب الطائفي:
• خلال لقاء داخلي عام 2009 مع مشايخ وشخصيات درزية، ورد في تسجيل مسرّب، استخدام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط تعبير «الجنس العاطل» للدلالة على الموارنة.
• بحسب برقية دبلوماسية أميركية نقلها السفير الأميركي جيفري فيلتمان، نشرها موقع «ويكيليكس» في عام 2011، والتي تحدثت عن محضر اجتماع جرى في آب 2007 بين ميشال عون ووزير العدل شارل رزق، أن عون قال: «السُنّة حيوانات ولا يمكن التعايش معهم».
• في لقاء مع فعاليات بلدة ذنوب في البقاع الغربي في عام 2019، قال رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل: «السُنّية السياسية جاءت على جثة المارونية السياسية».
ومن أبرز الأمثلة على الخطاب العنصري والتمييزي:
• في مقابلة إعلامية عام 2006، استعمل العماد ميشال عون المثل الشعبي: «هيدا الكردي وهيدا الحيط».
• في مقابلة إعلامية عام 2007، قال النائب وليد عيدو وفي معرض دفاعه عن اختيار قضاة المحكمة الدولية: «شو لح يجيبوهم من أفريقيا».
• في مقابلة إعلامية عام 2010، وصف الوزير السابق وئام وهاب المحجبات بأنهن «أكياس زبالة».
• في دعوته لترشيد الاستهلاك والاستغناء عن بعض المنتجات غير الأساسية عام 2020، قال وزير الشؤون الاجتماعية هكتور حجار: «انا بعدني جاي من الصين... الصينيين ما بيستعملوا الحفاضات».
لم تقتصر هذه الظاهرة على الأمثلة السابقة، إذ شهدت السنوات الماضية تلميحات متكررة إلى «الطارئين» على لبنان و«الغرباء»، وأحاديث عن «انتهاء دور» مكوّن معيّن أو «تهميشه»، إلى جانب اتهامات بالاستقواء بالخارج واستخدام أوصاف تحقيرية وأمثال شعبية سلبية، في خطاب أعاد إنتاج الكثير من مفردات الحرب الأهلية بصيغ جديدة.
تكشف هذه التصريحات، سواء صدرت عن انفعال أو عن قصد، عن عمق الانقسامات الطائفية والثقافة التمييزية في الحياة السياسية اللبنانية، حيث يُستدعى الانتماء الديني أو المذهبي أو الإثني في سياق الصراع السياسي، بدلاً من ترسيخ مفهوم المواطنة.
واللافت أن معظم هذه التصريحات لم تكن مجرد «زلّات لسان» بالمعنى اللغوي السطحي، بل جاءت غالباً في لحظات احتقان سياسي أو انتخابي، حيث يصبح استنهاض العصبيات الطائفية أو الفئوية أو الإثنية وسيلة لحشد الجمهور وشدّ العصب السياسي والانتخابي. لذلك، فإن تكرارها عبر العقود يشير إلى أنها ليست حوادث معزولة، بل انعكاس لبنية سياسية تقوم أصلاً على توزيع السلطة وفق الانتماء الطائفي، ما يجعل الخطاب الفئوي جزءاً من أدوات الصراع على النفوذ.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على حزب أو تيار أو طائفة بعينها، إذ شهدت مختلف القوى السياسية اللبنانية على اختلاف مواقعها، تصريحات حملت مضامين طائفية أو عنصرية أو تمييزية، وإن تفاوتت حدّتها وسياقاتها.
قد تكون زلّات اللسان أفتك من رصاص السلاح، فالكلمة تظل وتحفر مكانها في الذاكرة الجماعية، وتزرع بذور الكراهية التي تنبت في أوقات الأزمات.
إن لبنان، الذي يتغنّى بتنوّعه وعيشه المشترك، يبقى أسير دستور وقوانين وأعراف طائفية تحول دون قيام دولة حديثة. الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب أكثر من إدانة التصريحات، يحتاج إلى إرادة وطنية صادقة لإصلاح النظام نحو دولة مدنية تعطي الأولوية للمواطنة لا للانتماء الطائفي. وإلّا، فإن كل «زلّة لسان» قد تكون شرارة تُشعل حريقاً لا يبقي ولا يذر.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن الصمت على هذه الحقيقة... هو زلّة لسان وطنية لم نعد نملك ترف تحمّلها بعد اليوم.






