عندما تفتقر روح الإنسان إلى الرحمة تصبح الكلمة جافة تماما من الإنسانية. فمن يقرض المال مستخدما الربا المُحرّم في كافة الشرائع يسهل عليه أن يكون شرط عدم التسديد هو رطل لحم من جسد الذي اقترض المال ولم يسدده في الوقت المحدد، فشايلوك المقرض اليهودي في مسرحية شكسبير «تاجر البندقية»، يحمل الكثير من العداء للتاجر الذي يمنح القروض محبة منه للناس ويحتقر كل مرابي وليس فقط اليهودي لإيمانه الشديد بالرحمة والمحبة، كما هي الحال مع بورشيا التي تقول «لو كان صنع الخير في سهولة معرفة الخير لكان المصلي الصغير بمثابة الكنيسة الصغيرة» فعمل الخير هو رحمة كبرى يشتق منها العديد من أسباب الخير التي استعصت على شايلوك لشعوره بالعداء في مجتمع يحتقره لأنه مرابي ولا يحب الخير لمجتمع يعيش فيه فكان الجزاء «رطلا لا يزيد ولا ينقص من لحم جسمك البض، اقتطعه وآخذه من أي جزء أختاره من جسدك». فهل الطبيعة المعقّدة لشخصيات تاجر البندقية هي طبيعة أكثر الشخصيات في واقع هذا العصر الذي نعيش فيه المذابح والقتل؟
البندقية في عام 1594، حيث كان العداء لليهود جزءاً من الحياة اليومية. ففي مشهد المحاكمة المشهور، الذي تظهر فيه بورشيا متنكرة في زي محامٍ، تظهر الجهود المبذولة لإظهار الرحمة. لكن مشهد انهيار شايلوك المالي وتحويله إلى المسيحية يثير مشاعر معقّدة تجاهه. وفي هذا نوع من الجدليات التي يختلف تفسيرها أو جدلياتها من قارئ وآخر لهذه المسرحية الشكسبيريه تاجر البندقية. إذ يتعاطف القارئ مع شخصية شايلوك، وبشكل مؤثر عندما يخسر ماله وابنته والأهم من ذلك كله صفته اليهودية. مما يضفي عمقاً إنسانياً على دور شايلوك. وهو في المحكمة وأمام الحضور والقضاة والمحامين حيث يبرز التعاطف مع الذي اقترض لأنه ساعد الكثير من الناس كما منح صديقه المال ليتزوج من الفتاة الغنية التي يعشقها. فهل نحتاج لرواية «تاجر البندقية» في عصرنا الحالي لإظهار قيمة الرحمة التي اغتالتها الظروف الحالية؟
عندما بدأت مجدّداً في قراءة «تاجر البندقية» بعد أحداث غزة، أدركت أن هذه المسرحية بكل تفاصيلها تمنحنا صورة تقطيع رطل اللحم الذي لم يتم تنفيذه في المسرحية لكنه يحدث على أرض الواقع وأمامنا. فطابعها المتناقض يبرز بوضوح، حيث تتداخل مشاهد الرومانسية المشرقة مع مشاهد الحزن والخداع. فبينما تسرق جيسيكا، ابنة شايلوك، ثروته وتتركه لتتزوج من لورنزو، تتزوج صديقتها من الشاب الذي كان السبب في وصول صديقه الى المحكمة ليقتطع منه اليهودي رطل اللحم، فهل نعيش صراع الأديان والإنسانية في مسرحية الحياة وعلى أرض الواقع وبدون قروض مالية؟ أم هي سخرية الحياة التي منحت هذه المسرحية تناقضات العصر الحديث وما يجري من انتهاكات للإنسانية ومعاداة تحت عدة مسمّيات بسخرية شكسبيرية ليته يراها الآن. إن العنف الذي نشهده في مناطق مثل غزة، حيث يتم تقطيع الأرواح قبل الأجساد تحت غطاء الصراع السياسي والديني، يذكّرنا بصور مشابهة لتقطيع رطل اللحم في المسرحية. الرحمة، التي تمثلها بورشيا في المسرحية، تختفي في واقعنا الحالي حيث تصبح الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية عقبات كبرى أمام تحقيق العدالة والإنسانية. وتظل «تاجر البندقية» حيّة في عصرنا اليوم، حيث تعكس سخرية الحياة تناقضات العصر الحديث، وتطرح تساؤلات حول كيف يمكن أن تُغتال الرحمة في وسط الصراع والتوترات الاجتماعية.
تعكس تاجر البندقية الصراع التاريخي بين اليهود والمسيحيين في البندقية في تلك الفترة، حيث كان اليهود يُعاملون بوحشية رغم أنهم جزء أساسي من الاقتصاد عبر إقراض المال. إذ يقدم صورة واضحة للحياة في البندقية عام 1586، حيث كانت الحياة اليومية لليهود مليئة بالقمع والتمييز. بينما تسيطر الحكاية الكوميدية على جوانب من الحبكة، كالرغبة في زواج باسانييو من بورشيا بموجب وصية والدها، تظهر مشاعر الحزن والتوتر في علاقات أخرى. الحب العميق الذي يكنّه أنطونيو لباسانييو يضيف أبعاداً نفسية معقّدة للشخصيات. في المسرحية ، يظهر أنطونيو أكثر من مجرد شخصية حزينة؛ فالحزن الذي يشعر به ليس مجرد حالة عابرة بل ينبع من حبه لرفيقه.
أما شايلوك، رغم كونه يجسّد الصورة النمطية لليهود في المسرحية، إلّا أن له أبعاداً إنسانية عميقة. في خطابه الشهير الذي يبدأ بـ«ألم يكن لليهود عيون؟»، يتحدى شايلوك فكرة معاداة السامية ويطالب بالمساواة الإنسانية. يعكس هذا الخطاب الغضب والإحباط الناتج عن التهميش والقمع الذي عاشه اليهود في أوروبا آنذاك. فهل المطالبة برطل لحم من جسد التاجر هو صرخة ضد الظلم الذي تعرّض له هذا الشعب عبر العصور؟ أم هو عظة قيمة الرحمة والإنسانية في كل زمان ومكان؟ وهل «مواجهة خصم له قلب من حجارة خالٍ من الإنسانية، مجرد الإحساس بالشفقة، عارٍ من أدني مسحة من الرحمة»، هي اختصار لما يحدث في زماننا الحالي؟
إن مآسي «تاجر البندقية» التي وقعت في العصور القديمة، من صراع بين الأديان، ومعاناة الأقليات، وكراهية المجتمعات، ليست بعيدة عن مآسينا اليوم. فبينما كان شايلوك يطالب بحق الانتقام والعدالة في محكمة الظلم، اليوم نرى حروباً وصراعاتٍ تُغرق الأرض في الدماء، وتُفقد الإنسانية جوهرها. الجراح التي طالت قلوب الشخصيات في تلك الحقبة ما زالت تُؤلمنا في حاضرنا، حيث تستمر التفرقة، والتلاعب بالقانون، والعنف. وبينما كانت رحمة بورشيا تسعى لإيقاف سيل الانتقام، يبقى السؤال معلقاً: هل نستطيع أن نعيد للرحمة مكانتها وسط الحروب والمعارك التي تخلفها أيدٍ لا تعرف غير الانتقام؟
مسرحية «تاجر البندقية» تشير إلى أن هذا الصراع بين الرحمة والانتقام ليس مقتصراً على مسرحية شكسبير فقط، بل يمتد ليعكس الواقع الذي نعيشه اليوم. فمثلما كان شايلوك يطالب بلحم تاجر البندقية كنوع من العقاب، نرى اليوم في بعض مناطق العالم – مثل غزة – أن العنف والقتل يتم تحت مسميّات دينية وسياسية مشابهة، مما يذكّرنا بما حدث في هذه المسرحية التي تحيا من جديد في هذا العصر التكنولوجي الحديث.