بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 أيار 2026 12:00ص ظلال السنوبر تحضن فضاء «عسور».. حكاية «حرش» العيد

حجم الخط
لكل مدينةٍ ذاكرةٌ تسكن في أماكنها قبل أن تسكن في كتبها، وبيروت من تلك المدن التي تحفظ فرحها في حجارتها وأشجارها وأسماء ساحاتها العتيقة. ومن أعمق ما تحفظه ذاكرتها الشعبية، تلك الرحلة الطريفة التي قطعتها احتفالات العيد من رمال "ساحة عسور” إلى ظلال صنوبر الحرش، في محطةٍ فارقة من تاريخ المدينة الاجتماعي. رحلةٌ لم تكن مجرد انتقالٍ من مكانٍ إلى مكان، بل كانت تعبيراً صادقاً عن روح بيروت التي أبت دائماً أن تُساوم على كرامة فرحها.

في البدء كانت ساحة عصور

قبل أن يُعرف "حرش العيد” بهذا الاسم الذي صار علامةً فارقة في الوجدان البيروتي، كانت الاحتفالات الشعبية بمناسبة العيد تجد مكانها الطبيعي في "ساحة عسور»، تلك الساحة الرملية الفسيحة التي نعرفها اليوم بساحة رياض الصلح، والتي كانت تُشكّل متنفّساً شعبياً لأهل بيروت وأحيائها المختلفة على مدار العام. كانت أشجار الجميز تُظلّل بعض جوانبها بخضرتها الهادئة، فيما تعلو في فضائها أيام العيد القلابات والأراجيح، ويعجّ المكان بالباعة والمحتفلين الوافدين من كل حدبٍ وصوب.
كانت الساحة تتحوّل في تلك الأيام المباركة إلى عالمٍ قائم بذاته، يختلط فيه الصغار والكبار، ويتزاحم فيه الفرح مع صخب الحياة اليومية. الأطفال يتسابقون نحو الأراجيح وأصواتهم تعلو بالأهازيج، والباعة ينادون بضاعتهم بأصوات تتنافس مع بعضها في الفضاء المفتوح، والأمهات يتابعن أولادهن بعيونٍ تمزج بين القلق والفرح. كانت الساحة، بكل ما فيها من حركةٍ وضجيج، تُجسّد روح الاحتفال الشعبي البيروتي في أبهى صوره. لكنّ هذه الصورة البهيجة لم تكن تخلو من ظلال أقلّ بهجة، كانت تتكاثر مع مرور السنين وتُهدّد ما تبقّى من عفوية تلك الفرحة وطهارتها.
في عام 1905، كان الشيخ أحمد طبّارة يرقب بعينٍ فاحصة ما آلت إليه أحوال تلك الساحة أيام الاحتفال. فقد باتت تشهد ما لا يتلاءم مع روح العيد وقيمه ومعانيه السامية: لعب القمار وما يصاحبه من نزاعاتٍ تُكدّر صفو الأيام المباركة، والتبرّج والتهتّك اللذان يتنافيان مع حرمة المناسبة، فضلاً عن استغلال بعض المحتالين لبراءة الأطفال وابتزاز ما في جيوبهم من قروش العيديّات بشتى الحيل والأساليب الملتوية. كان الولد يخرج من البيت فرحاً بعيديته، فيعود إليه وقد انتُزعت منه بالخداع لا بالمتعة الحقيقية.
لم يقف الشيخ أحمد طبّارة مكتوف الأيدي أمام هذا المشهد، بل أخذ على عاتقه أن يلفت أنظار الأهالي والوجهاء إلى ما يجري في تلك الساحة، مستنهضاً الهمم نحو إيجاد بديلٍ أنظف وأهدأ وأكثر لياقةً بعيد المسلمين وأخلاق البيارتة الأصيلة. وكان البديل جاهزاً في أطراف المدينة، صامتاً بين أشجاره، ينتظر أن تُكتشف إمكاناته: تلك الغابة الصنوبرية الهادئة التي طالما كانت متنزّهاً للبيارتة في أيامهم العادية، يقصدونها للراحة والتأمل وتجديد الأنفاس بعيدا عن ضجيج المدينة.

الحرش حين استقبل الفرحة

انتقلت الاحتفالات الشعبية بالعيد إلى رحاب حرج الصنوبر، ومنذ تلك اللحظة وُلد مصطلحٌ سيرسخ في قاموس بيروت الشعبي ووجدانها الجمعي إلى الأبد: "حرش العيد”. وتجدر الإشارة إلى أن أهل بيروت دأبوا على تسمية الحرج "حرشاً”، على عادتهم في تطويع الألفاظ وتليينها على ألسنتهم، فصار هذا الاسم هو المتداول بين الناس دون سواه، حتى بات لا يُعرف الحرج إلا به.
تحوّلت غابة الصنوبر أيام العيد إلى مدينةٍ كاملة داخل المدينة، تختصر نمطها الاجتماعي وتعكس تنوّع نسيجها البشري. كان الناس يتوافدون إليها من كل أحياء بيروت ومناطقها، وصولاً بـ”الطنابر” والترامواي الذي كان يزدحم بالراكبين في تلك الأيام، أو مشياً على الأقدام من المناطق القريبة، وكلٌّ منهم يحمل في صدره ذلك الشوق الغريب الذي لا يُبرر إلا بأن العيد عيد.
وتحت ظلال الصنوبر المعمّر، كانت تُنصب القلابات والأراجيح التي لا يكفّ الأطفال عن ركوبها وهم يرددون بصوتٍ واحد أهازيجهم المحبّبة: "يا ولاد محارم.. يو يو” و"دبوس حديد.. يو يو”. وكان "القرداتي” يدق على الرق ويخاطب قرده بما يُضحك الكبار قبل الصغار. وينتشر الباعة في كل ركنٍ بكبيسهم وترمسهم وفريسكوهم وتفاحهم المغطّس بالسكر المذاب الذي يبرق في الشمس كأنه تحفةٌ من الزجاج الملوّن، إلى جانب السمسمية وغزلة البنات والكرابيج والكعك بالزعتر وعرانيس الذرة المشويّة التي كانت رائحتها تسبق أصحابها بخطوات.
وكانت "البصّارة البرّاجة” تجلس في ركنها تشوف البخت لمن أراد، ومرقّص العنزة يجمع حوله المتفرجين الضاحكين، ولعبة السيف والترس تستعيد نفساً من الحماسة والبطولة. أما أعجب ما في الحرش وأكثره إدهاشاً للأطفال، فكان "صندوق الفرجة”، ذلك الصندوق الخشبي المستطيل المطليّ بألوانٍ فاقعة، الذي كان صاحبه يستقطب الأولاد بندائه المعهود: "شوف تفرج يا سلام، شوف قدامك عجايب، شوف الأميرة بنت السلطان، شوف عنتر أبو الفوارس”. وكان الأطفال يتزاحمون على ثقوبه الزجاجية الثلاث ليروا عنترة وعبلة والزير، وكأن تلك الصور المتحرّكة بدولابها البسيط كانت في عيونهم معجزةً لا تضاهى.
وقد غدت الغابة في الوقت ذاته فضاءً اجتماعياً بامتياز، يتبادل فيه البيارتة الأخبار والأحاديث ويتناقلون القيل والقال، حتى صار من أمثالهم في التهديد بفضح الأسرار: "بدّي انشرك على سنوبر بيروت”، لأن من يُذكر في تلك الغابة أيام العيد فقد ذُكر على الملأ أمام بيروت بأسرها.

أثرٌ في القلب يمتد كجذور الصنوبر

هكذا كانت تمضي أيام العيد الثلاثة في حرش الصنوبر، سريعةً كأنها حلمٌ جميل لا يُكتفى منه. وحين ينتهي العيد ويعود الأطفال إلى بيوتهم منهكين فارغي الجيوب مليئي القلوب، كان الأهل يتنهّدون بمحبةٍ وخفّة: "خلص العيد وفرحاتو، ورجع الأستاذ وقتلاتو”. وفي هذه الجملة البسيطة يختصر البيارتة فلسفةً كاملة: أن الفرح مهما طال فهو إلى انتهاء، وأن الحياة تستمر بعده، لكنّ أثره يبقى في القلب طويلاً طويلاً… كما تبقى أشجار الصنوبر شامخةً فوق بيروت رغم كل شيء.
تبقى هذه الرحلة من ساحة عصور إلى حرش الصنوبر أكثر من مجرد تحوّلٍ جغرافي في مكان الاحتفال. إنها شهادةٌ حيّة على وعيٍ اجتماعي بيروتي مبكّر ومتجذّر، حين رفض أبناء المدينة أن تُختطف فرحتهم وتتحوّل إلى فوضى، وحين تصدّى رجلٌ من رجالاتها لما رآه انحرافاً عن القيم، فانتقل الناس بعيدهم إلى مكانٍ يليق به، بين أشجارٍ عريقة وهواءٍ نقيٍّ وأجواء تجمع ولا تفرّق، وتُفرح ولا تُؤذي.