24 كانون الأول 2021 12:00ص بشرى النعماني..و«الأغصان النعمانية من غرناطة إلى بيروت»

حجم الخط
بشرى وجيه النعماني من أسرة بيروتية بارزة، تابعت دراستها في جامعة القديس يوسف وفي جامعة أوهايو في الولايات المتحدة الأميركية، وتولّت مناصب علمية وإدارية واجتماعية في لبنان. وها هي تقدّم للقارئ اللبناني والعربي أول نتاج علمي تاريخي في عام 2021 بعنوان «الأغصان النعمانية من غرناطة إلى بيروت» (175) صفحة، ويتضمن الكتاب دراسة موثقة عن الأصول والجذور الأندلسية والمغاربية للعائلات البيروتية، وعن جذور وأصول آل النعمان منذ الملك النعمان بن المنذر والأمراء الأرسلانيون النعمانيون، فضلاً عن الأصول القبلية لبني سرّاج في المشرق والمغرب والأندلس، كما تضمن الكتاب دراسة تحليلية عن آل النعماني وآل علم الدين في بيروت المحروسة.

والحقيقة، فإن الأديبة بشرى النعماني التي كتبت كتاباً موثّقاً بالمصادر والمخطوطات الأساسية والمراجع التاريخية وشجرة العائلة الأصلية مرفقة بعدد كبير من الوثائق والصور التاريخية النادرة، قد توصلت من خلال دراستها إلى معلومات مهمة عن أسرة النعماني وعن بقية الأسر البيروتية ذات الأصول المغاربية والأندلسية. وحول الأصول المغاربية والأندلسية للعائلات البيروتية، يعدّد المؤرخ د. حسان حلاق حوالي 80 عائلة بيروتية سنية من أصل حوالي 299 عائلة، بأنها تعتبر من أصول مغاربية أو أندلسية في موسوعة العائلات البيروتية (المجلد الأول). وهي نسبة عالية جداً تصل إلى حد 27% من مجموع العائلات البيروتية السنية. وهذا ليس له مثيل ولا يتكرر في أي من المدن القريبة مثل طرابلس، أو صيدا، أو الشام، أو حلب، إذ ينفرد معظم البيارتة السنّة بإيراد واقعة أنهم من أصول أندلسية مغاربية. ولكن كيف تم هذا؟

إن هجرة المغاربة (من بلدان الأندلس، المغرب، الجزائر، تونس، وليبيا) إلى بيروت قد جاءت على فترات متقطعة. وإن هجرة المغاربة (من بلدان الأندلس، المغرب، الجزائر، تونس، وليبيا) إلى بيروت قد جاءت على فترات متقطعة. وأن المؤثرات المتبادلة بين الأندلسيين والمغاربة وبين بيروت ابتدأت منذ أيام الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية في الأندلس. وأن غرناطة كانت تعتبر دمشق بلاد الأندلس. كما حصلت الكثير من السياحات الدينية والعلمية بين بلاد الشام وبلاد الأندلس، حتى أن فقه الإمام عبد الرحمن الأوزاعي (المتوفى 774م) ساد بلاد الشام لفترة طويلة مثلما ساد في الاندلس أيضاً قبل أن تنتقل في أغلبها إلى المذهب المالكي. وقد أنشأ المغاربة والعائلات البيروتية ذوي الأصول المغاربية الكثير من الكتاتيب، والزوايا العلمية، والمعاهد والجمعيات.

كما كانت هناك هجرة مغربية مبكرة لأسباب جهادية ومشاركة المسلمين في الدفاع عن الثغور الإسلامية في فترة الحروب الصليبية (1098 - 1291م). وقد استمرت الهجرة المغربية إلى بيروت وبلاد الشام في العهدين المملوكي والعثماني للسببين ذاتهما، أي الجهاد وطلب العلم. بل إن فترة الانتداب الفرنسي شهدت أيضاً هجرة مغربية تمثلت بالقوات التي صاحبت جيش المشرق الفرنسي إلى لبنان وسوريا. وتوجد جبانة للمغاربة من جيش المشرق بالقرب من جبانة الشهداء في حي قصقص قرب الطريق الجديدة.

لقد منحت هذه الهجرة ثقلاً سياسياً كبيراً للعائلات السنية في بيروت كونهم يشكّلون الكتلة السكانية الأكبر في العاصمة في دولة لبنان الكبير منذ إنشائها في العام 1920. ويشير البعض أن عدد العائلات البيروتية السنية المسجلة في إحصاءات دوائر الأحوال الشخصية هي الأكثر عدداً. إلا أنه بطبيعة الأحوال، فإن هذا الوضع الطاغي للعائلات السنية في بيروت المحروسة لم يكن مرشحاً للبقاء على ما هو عليه. فمع مرور الوقت، كان لا بدّ من أن يحصل اختلال في هذه التركيبة السكانية البيروتية لأكثر من سبب.

ومن الأهمية بمكان القول، بأن بعض العائلات البيروتية ليست عربية وحسب، وإنما تعود بجذورها أيضاً إلى السلالة النبوية الشريفة. كما إن بعضها الآخر من سلالة الخلفاء، أبي بكر الصديق وعمر الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. وبعضهم الآخر من سلالة القادة أبو عبيدة الجراح، وخالد ابن الوليد المخزومي. وبعضها من سلالة الأئمة والعلماء في العصور الأولى والوسطى والتاريخ الحديث والمعاصر.

ومن الأهمية بمكان القول، بأن السيدة بشرى وجيه النعماني قدّمت دراسة علمية موثّقة عن العائلات البيروتية ذات الجذور والأصول المغاربية والأندلسية بما فيها أسرة النعماني معتمدة على عشرات المصادر والمخطوطات والمراجع العربية والأجنبية، بالإضافة إلى عدد وفير من الخرائط والصور والوثائق التي تُنشر للمرة الأولى بما فيه وثائق النسب الشريف (شجرة أو مشجر العائلات) فضلاً عن دراسات ميدانية مهمة تضمنتها الدراسة.

كتاب «الأغصان النعمانية من غرناطة إلى بيروت» يستحق القراءة والدرس لما يتضمنه من معلومات تاريخية مهمة وموثقة تُنشر للمرة الأولى، لذلك يمكن القول، بأن السيدة بشرى وجيه النعماني تستحق بجدارة أن تنضم إلى مجموعة المؤرخين البيارتة واللبنانيين والعرب.

-----------------

* مؤرخ وأستاذ جامعي