د. عمر الطباع
يحتل سعيد عقل بين شعراء لبنان والعالم العربي مرتبة الزعامة للتيار الرمزي، بكل ما فيه من عناصر الموسيقى والجمالية ويمكن أن تنسب إليه مكانة بارزة في زعامة الحركة الأدبية الثائرة على الأدب القديم ومقاييسه الأصولية إذ كان على رأس الداعين إلى ضرورة الأخذ بالتيارات والمذاهب - الأدبية والثقافية - الغربية.
فالرمزية عند سعيد عقل ليست مجرّد ولع بالغريب والغامض لدلالتهما على ما هو متميز أو متفوق، وإعتماده إياها لم يكن بباعث التغلب على حالات الكبت السياسي والإجتماعي التي تقف عثرة دون الإفصاح عمّا في الفكر أو النفس من آراء ومشاعر وحسب، فهي في نظره استجابة لأنماط الأدب الأوروبية الممثلة لحضارة الغرب وثقافته المتطورة وما تنطوي عليه من قيم فنية وجمالية كانت أكثر إستهواء للشعراء المحدثين المتأثرين بإتجاهات المعرفة التي حملتها البعثات التعليمية الأجنبية إلى هذه الربوع. يقول صلاح لبكي «إنه... ينبغي لنا أن نواجه بالاعتبار الواقع السياسي الذي جعل لبنان بعد سنة 1920 أوثق إتصالاً بالغرب وبفرنسا على الأخص، وجعل المدارس الفرنسية فيه المدارس المفضلة وأتاح لسياسة التوسع الثقافي الفرنسية هذه السياسة التي تؤلف أجمل ما في تراثها الإنساني، إن تتبسط وتفعل».
ولا يقتصر هذا الرأي على صلاح لبكي وحده، فأدباء ما بعد الحرب الأولى كانوا في معظمهم من المقتنعين بضرورة الخروج من حدود التبعية للماضي في الفكر والأدب، بالإقبال على ثمرات العقل الأجنبي حتى لا تظل آدابنا في نظرها، عاجزة عن تلبية روح العصر. ولا بأس من أن نورد بعض ما كتبه عمر فاخوري في مقدمة مجموعة يوسف غصوب «القفص المهجور»، لأهميته في الإفصاح عن المشكلة التي كانت تواجه أدباء الجيل الجديد، فقد قال يومذاك:
« الأدب العربي بين أمرين لا ثالث لهما أن يظل محافظاً يحيا بمادته، متآكلاً مجتراً، ويعيد نفسه كرجع الصدى، ويتقمص رجاله بعضهم بعضاً. وإما... بل ثمة أمر واحد لا مناص منه هو ما نراه وليس لأحد في دفعه يدان. نعني التبديل الطارئ على ادبنا الحديث، بفعل عناصر خارجية أجنبية، ليس الأدب العربي جزيرة في عرض الأوقيانيوس تنتظر كولومبوس، ولا روحنا صخرة تتحطم عليها هذه الثقافات الغربية الجائحة الفاتحة الهائجة المائجة، وإذا كان التبديل طارئاً على حياتنا في كل مظاهرها، فأين نجعل أدبنا كي لا يناله تبديل؟ هو هذا الطوفان، ولا «عاصم اليوم».
فموقف سعيد عقل من القديم والجديد، وما فيه من السلبية والإيجابية، وأن كان لا يخلو في نظر الباحثين من تطرف - كان أشبه بتيار عارم خلفته رياح الفكر الغربي النافذ التي هبت عاتية قوية على ربوع الشرق، منذ أواخر القرن الثامن عشر، والتي تركت آثاراً معينة في لبنان، أذكى الاحتلال العثماني - وعهد الإنتداب بعده - من قوتها وزاد في حدتها، ولا نرى ما يوجب الخوض في طبيعتها وماهيتها وتفاصيلها المتعلقة بـ «حضارة البحر المتوسط» وأثر المدينة الفينيقية الغابرة فيها... لا سيما بعد الأضواء التي سلطها عليها الدكتور أنطوان غطاس كرم، والتي ساقها توطئة لدرس «الرمزية في لبنان» مكتفين منها بقوله «وكان من جرّاء هذا التفاعل بين الأدب الرمزي ولبنان، ان أصحاب النزعة الحديثة في الشعر انفصلوا عن الأدب العربي كما نعرفه في تاريخه ومناهجه وأسهبوا في إعطائهم لبنان شخصية مستقلة بحد ذاتها. كما نسبوا إليه أدباً تفرد به... ولو سئلوا عن ينابيع هذا الأدب لأعيوا جواباً أو أجابوا أنهم ينتمون إلى حضارة بحر المتوسط، وأشاوا بالحضارة الفينيقية وقاعدتها صور... وفي إطار هذه المواكبة بين الرمزية ولبنان - الحضارة، يُؤكّد سعيد عقل في مقدمة «قدموس» دور الإرث الفكري الذي احتضنه لبنان بقوله «هو هو الإرث الذي يكون لبنان وذاتيته وثراءه العقلي ويحده بأنه «ما وراء» تخوم ونطق وعرق ووحدة أي تاريخ كان»، ويقول في التوطئة نفسها «سوف يكون - للبنان - من ذراعيه المفتوحتين اللتين لا تضيقان، ركون إلى مفكري الغرب لا ليأخذ عنهم كيف يقاتل الغرب، بل ليضيف إلى عقدهم قلباً كبيراً، فريد العمل في التاريخ، يقتلع البغض من الغرب».
فرسالة لبنان الأدبية، في نظر سعيد عقل وجماعته، التي جارى فيها سعيد عقل الرمزية الغربية تنظيراً وتطبيقاً... ليست رسالة تفاعل حضاري وحسب، بل هي وقبل كل شي رسالة إنسانية لا يُمكن الاستهانة بها، فلبنان «لا يتنازل عن رعاية العقل، وعلة وجوده الوحيدة أنه عقل، ولا يستجيز لنفسه أن يبغض، وأجمل ما في تراثه أنه حب، ولا يقبل أن ينكفئ على ذاته واتجاه فعله هو انفتاح على العالم وما فوقه..
تجتمع في «مفهوم الشعر» عند سعيد عقل، عدّة مقومات جوهرية، تعتبر مفاهيمه الحضارية المتحررة حول «وجود لبنان» - أدباً وتراثاً ورسالة - أبرز مصادرها. أما ينابيعها الباقية فأهمها اثنان: مزاجية سعيد عقل، وفلسفة الرمزية الغربية. ومن تفاعل هذه الأبعاد الثلاثة تتكون نظريته في الرمزية، وتتولد شاعريته أو بالاحرى أعماله الرمزية.