بيروت - لبنان

اخر الأخبار

24 حزيران 2021 12:00ص عَجمي وتُركي جمرٌ يحرُق.. وتُنباكٌ يَحترق

حجم الخط
جلست أنفث دخان رمادي اللون يتصاعد من رأس تنباك رصّته أناملي فوق حجر فخاري تحرقه جمرات نارٍ مُلتهبة، تغسله كركرة الماء المخزون في قارورة بلورية، جمعُهُمْ يُسمى نرجيلة أو أركيلة، كل ما خفَت نفخات الدخان التي يسحبها نربيج الاركيلة تمتد يدي بلمقط صغير لإلتقاط «بصة» من الجمرات المطمورة تحت رماد المجمرة، لتُجدد لهيب أنفاث الدخان المتصاعد من حرقها للتنباك العجمي.

إصراري على نفث دخان الأركيلة العجمية ورثته عن والدي رحمه الله، رغم تغيّرات أنواع التنباك الذي عرفناه من «عجمي الى نكهة»، بعد أن غزت مجالس صالونات البيوت ومقاهي الأرصفة رائحة غريبة استوردت، اعتادها الجيل الجديد وتعلّق بها، بدءاً من أهلنا في جنوب لبنان ثم بقاعه.

وفي رسم تصور وتحليل لما توارثناه على حرق التنباك العجمي عن أجدادنا وآبائنا تبيّن لي ان الدافع له هو كراهية الأتراك لبلاد العجم، مما جعلهم يُنفِثون عن ما في داخلهم بحرق «العجمي» من التنباك، ومن وسطية الشعوب العربية وكي لا يتأجج هذا الكره مع أجيج جمرات النار المنتصبة فوق «راس العجمي»، إبتكر تنباك سمّي بـ «النكهة» هو نتاج شتل الدخان الذي اشتهرت قرى الجنوب وبعض قرى بلاد جبيل بزراعته، ونشأت [إدارة حصر التبغ والتنباك - الريجي] لأجل تصريف هذا المنتوج بعد توضيبه، إلا أن منافسة «المعسل» بأنواعه وروائحه الزكية وتعدد أنواعه، معسل بطعم الورد وآخر بطعم التفاح تفاحتين، وبطعم النعناع والرمان وغيرها، أحبها الشباب والفتيات وأثرت سلباً على نتاج زراعة تنباك «النكهة».

كما ساهم التنباك «التركي» على إضعاف سوق تصريف نتاج المحصول المحلي وألغى الدور الذي تأسس لأجله «الريجي»، فهل للعوامل الإقليمية دور في ذلك؟! وهل الإنتقام ممن عاشوا الكره للأعجمي إنسحب على مسار الذوق والعادات المتوارثة كما تداخل الإنتماء المذهبي والسياسي عليها؟!

هذه الأفكار شغلتني عن نفث الدخان من أركيلتي النحاسية وهممت في التقاط جمرة من تحت الرماد تجدد إشتعال «رأس العجمي» فتشرقط منها ذرات نارٍ متأججة كادت أن تحرق السجاد العجمي المطروح تحت قدمي، فتكاثرت الأفكار والتساؤلات أمام ناظري. أورثونا عادة نفث دخان الأركيلة ذات التنباك العجمي، علّمونا إقتناء السجاد العجمي مفاخرة لجودة حياكته وجمالية نقوشه، واليوم نجد أن الجمر الذي أشعل «راس العجمي» وتخوفتُ أن يحرق سجادتي العجمية قد انتفض من تحت الرماد ليشرقط رذاذه الملتهب وكأنه يقول: «لا يحق لكم استبدالي لا بالتنباك والسجاد العربي، ولا حتى بالتركي».

مجدداً حاولت أن أمسك بالملقط جمرة أخرى تُجدد إحتراق «راس العجمي» فترددت خوفاً من أن يتطاير رذاذها ويحرق سجادتي العجمية التي ورثتها عن المرحوم والدي، كما أورثني نفخ دخان الأركيلة العجمية، وقررت إستبدال العجمي بالتنباك التركي، لتتسارع الأسئلة في خاطري..

هل إحتراق التنباك التركي المرصوص فوق الرأس الفخاري سيؤثّر يوماً على سلوكيات حياتنا كما العجمي؟!..

وماذا يريد منا التركي لو نفثنا دخان تنباكه؟..

أم ستبقى رغباته مطمورة كالجمر تحت الرماد?!..

الحاج عبدالرحيم اللاز