د. رشا ماهر البدري*
حين كتبتُ قراءتي لرواية «الأصل» للأميركيّ دان براون، كنتُ أظنّ أنّني أتعامل مع سؤالٍ بَلَغَ ذروتَهُ: سؤال الخوارزميّة التي تُنازِع الإنسان مَركزه، والذكاء الاصطناعيّ الذي يَقترب من إعادة تعريف الخلق ذاته. بدا لي آنذاك أنّ الروائيّ قد دَفَعَ بمشروعِه السرديّ إلى أقصى حدوده التقنيّة، حيث يَتقاطع العِلم بالتأويل، وتتحوَّل البرْمَجة إلى قَدَرٍ جديد. لكنّ بعض الأسئلة لا تُستنفَد حين تُطرح، بل تَتّسع.
لم أكُن أعلم أنّ دان براون كان قد خطا خطوةً أخرى أبعد في الاتّجاه نفسه، وأنّ السؤالَ الذي ظننته قد بلَغ مداه سيعود إليّ في هيئةِ روايةٍ جديدة وصلتْني، على نحوٍ بدا عابراً، كهديّةٍ من صديقٍ قَرأ المقال. كانت «سرّ الأسرار The Secret of Secrets» (أيلول/ سبتمبر 2025) امتداداً هادئاً لذلك القَلق القديم، لا بوصفها تكراراً لموضوعٍ سابق، بل بوصفها إعادة تموْضُعٍ للسؤال نفسه. فإذا كانت رواية «أصل» قد سَألت: كيف نَشأْنا؟ فإنّ «سرّ الأسرار» تَسأل سؤالاً أشدّ بداهةً وأشدّ غموضاً في آن: ما الذي يَجعلنا نَشعر بأنّنا موجودون؟
هنا لا يعود الأمر متعلّقاً بخوارزميّةٍ تُنافِس الخَلق، ولا بنظريّةٍ تُزعزِع اليقينَ الدّيني، بل بشيءٍ أقرب إلينا من كلّ ذلك وأبعد في الوقت نفسه: الوعي. ليس بوصفه مفهوماً فلسفيّاً مجرّداً، بل بوصفه التجربة التي نعيشها كلّ لحظة من دون أن نَعرف كيف تَنشأ.
بهذا التحوُّل، يَنتقل براون من سؤال «أصل الحياة» إلى سؤال «أصل الخبرة»، ومن لغز «العالَم» إلى لغز «الذّات». وإذا كانت رواياته السابقة تُبنى على افتراضِ أنّ لكلّ رَمز حلّاً، فإنّ هذه الرواية تَنطلق من افتراضٍ أكثر جرأة: أنّ بعض الأسئلة لا تَنغلق، لأنّها تتعلّق بالشرط الذي يَجعل السؤال مُمكناً من الأساس.
بعد ثماني سنوات من الغياب، يعود دان براون في هذه الرواية (السادسة في سلسلة روبرت لانغدون) ليُبدِّلَ مَوْضع اللّغز نفسه. لم يَعُد الرمزُ شفرةً تاريخيّة مَخفيّة في لوحةٍ أو معمار، ولا مؤامرة تَنتظر الكشف، بل أَصبح السؤالُ أكثر بدئيّة وأشدّ عُمقاً: ما الذي يُحوِّل الجسدَ إلى ذات؟ كيف تَنبثق الخبرةُ الواعية من مادّةٍ لا تَعي ذاتَها؟
براغ، المدينة التي تتداخل فيها العصورُ كما تتداخل الظلالُ عند الغروب، ليست مجرّد خلفيّة جغرافيّة للأحداث، أو تفصيلاً جماليّاً. إنّها صورةٌ مُكثَّفة للعالَم الذي تتحرّك فيه الرواية: عالَمٌ لا ينفصل فيه التاريخ عن الأسطورة، ولا العقل عن حدْسه، ولا الحَجَر عن ذاكرته. مدينة تقوم على طبقاتٍ من الزمن، كما يقوم الوعي على طبقاتٍ من التجربة؛ في شوارعها القديمة لا يبدو الماضي ماضياً خالصاً، بل احتمالاً مُستمرّاً في الحاضر. الزمن فيها ليس خطّاً مُستقيماً، بل تراكُماً حيّاً.
ومن هنا تستدعي الرواية أسطورة «الغولِم» - أي المادّة الخام - ذلك الكائن المصنوع من طين، الذي دُبَّت فيه الحياة عبر نقْشِ كلمة «إيمِت»، أي الحقّ، على جبينه. وما إن يُمحى حرفٌ واحد حتّى تتحوَّل الكلمةُ إلى «مِت» - أي الموت - فينهار الكيان الحيّ ويعود مادّةً صامتة. ليست هذه الأسطورة أيقونةً سرديّة، بل استعارة دقيقة لمعضلةٍ أنطولوجيّة: كيف يُمكن لفارقٍ رمزيٍّ بسيط أن يَفصل بين الحياة والجمود؟ كيف تَنبثق الذاتيّة من مادّةٍ لا ذاتيّةَ لها؟
تجربة الغرفة الصينيّة
لكنّ «الغولِم» في الرواية لا يَظهر بوصفه لغزَ الانبثاق فقط، بل بوصفه لغزَ التكليف. فهو لم يُخلَق ليَحلم، بل ليَحرس؛ لم يُمنح الوعي ليَختبرَ جمالَه، بل ليَحملَ عبْأَه. هنا يتحوّل الوعيُ من معضلةٍ أنطولوجيّة إلى مسؤوليّةٍ أخلاقيّة. أن تكون واعياً يَعني أن تتحمّل، أن تُدرِكَ الألمَ قَبل وقوعه، وأن تختارَ بين الفعل والامتناع. «الغولم»، في صمته الثقيل، يذكّر بأنّ الوعي ليس امتيازاً خالصاً، بل قدرة على الاحتمال. وكأنّ الرواية تُلمِّح، من وراء الأسطورة، إلى أنّ كلَّ ذاتٍ مُدرِكة هي ذاتٌ مكلّفة، وأنّ أثقل ما في الإنسان ليس جَسده الطّينيّ، بل وعيه به.
هنا تتقاطع الرواية، ضمنيّاً، مع أحد أبرز نقاشات فلسفة العقل المُعاصِرة. فجون سيرل (1932 - 2025) في نقده لفكرة أنّ مُعالَجة الرموز تكفي لإنتاج الوعي، قدَّم تجربةَ «الغرفة الصينيّة» ليُبيِّنَ أنّ النّظام قد يُتقِن ترتيب الإشارات من دون أن يفهمها. الفهم ليس خوارزميّة، بل خبرة. الوعي، في تصوُّره، ظاهرة بيولوجيّة، نعم، لكنّه يَحمل خصائص «كيفيّة» ذاتيّة لا يُمكن اختزالُها إلى عمليّاتٍ موضوعيّة قابلة للرصد من الخارج.
كاثرين سولومون، عالِمةٌ في مضمار الوعي، لا تُقدِّم خطاباً روحانيّاً مُفارِقاً، ولا خطاباً ماديّاً اختزاليّاً، بل تَطرح السؤال حيث يُصبح الأنموذج العلمي السائد غير مُكتمِل. هل يكفي أن نَصِفَ النشاطَ العصبيَّ لنَفهمَ الخبرة؟ هل الإشارة الكهربائيّة تُفسِّر معنى الألم؟ أو رهْبة الحُلم؟
بهذا المعنى، لا تنكر الروايةُ العِلمَ، ولا تَنزلق إلى تصوُّرٍ ميتافيزيقي يَفصل الروح عن الجسد فصلاً جوهريّاً، بل تَقف في تلك المنطقة الدقيقة التي يُصبح فيها الدماغ شرطاً ضروريّاً للوعي، من دون أن يكون تفسيراً كاملاً له. الوعي، خبرة ذاتيّة لا تَظهر من منظورٍ ثالث، بل تُعاش من داخل، في توتُّرِها وحضورِها المباشر. الألم ليس مجرّد إشارةٍ تنتقل عبر العصب، بل مُعاناة تُختبَر؛ والحلم ليس نشاطاً دماغيّاً فحسب، بل عالَماً يُقام لحظةً في باطن الذّات. هكذا تَترك الروايةُ السؤالَ مفتوحاً: كيف يَنبثق هذا البُعدُ الداخلي من مادّةٍ لا تَعرف عن نفسها شيئاً؟
غَير أنّ «سرّ الأسرار» لا تَكتفي بمُساءلة العلاقة بين الدماغ والوعي، بل تُزعزع أيضاً تصوُّرَنا للزمن الذي يتحرَّك فيه هذا الوعي. هنا يُصبح «الزمن الشعوري» الذي تحدَّث عنه هنري برغسون (1859 - 1941) حاضراً بقوّة؛ فالزمن ليس سلسلة لحظات مُتجاوِرة كما تَفترض الفيزياء، بل «مدّة» متّصلة، تيّار شعوري تتداخل فيه الذاكرة بالتوقُّع. الماضي لا يَنقضي، بل يَستمرّ في الحاضر بصفته أثراً حيّاً، والمُستقبل لا يأتي من فراغ، بل يُستشعَر قَبل أن يتحقَّق.
الأحلام الاستباقيّة، والكوابيس، وتجارب الاقتراب من الموت، لا تُقدَّم كخوارق لقوانين الطبيعة، بل كدلائل على أنّ التجربة الإنسانيّة لا تُختبر دوماً وفْقَ وهْمِ الخطّ المُستقيم الصارم؛ فهي لا تقول إنّ الزمن انكسر، بل إنّ وعيَنا به ليس خطّاً واضحاً كما نَظنّ. الذاكرة والتوقُّع والحُلم مسائل تتداخل في نسيجٍ واحد، بما يَجعل الزمنَ النفسيّ أكثر تعقيداً من الزمن الفيزيائيّ.
من هنا يَنبع السؤالُ الأنطولوجي: إذا كان وعيُنا زمناً مُتدّفقاً لا يَقبل القطع، فهل نحن حقّاً مجموع لحظات مُتجاوِرة كما توحي الساعة؟ أم أنّنا وحدةٌ شعوريّة مُستمرّة، ديمومة، تُعيد في كلّ لحظة نَسْجَ ذاتِها عبر ذاكرةٍ لا تَحفظ الماضي فحسب، بل تُعيد تأويله، وعَبر توقُّعٍ لا يَنتظر المستقبلَ فقط، بل يُسهم في صناعته؟ لعلّ الذّات ليست نقطةً في خطّ، بل نهراً يَحمل ماضيه في مائه، ويَجري نحو ما لم يَصل إليه بَعد.
في هذا السياق، يتحوَّل روبرت لانغدون نفسه، وهو التحوُّل الأعمق في مشروع براون، فلم يَعُد المُفسِّر المُحايد الذي يَقِف أمامَ الرمز ويفكّ شفرته، بل شاهداً على حدود الفهْم. الرمز الذي يُواجهه هذه المرّة ليس نقْشاً حَجَريّاً، بل حَدَثاً لا يَقبل التأويلَ السهل. يتحوَّل من مُحلِّلٍ إلى مُتأمّل، ومن مُفَكِّكِ شفراتٍ إلى إنسانٍ يَختبر ارتباكَ أدواتِه المعرفيّة.
أكثر ما في الإنسانِ غموضاً
وفي قلب هذا الجَدَل، تَقِفُ العلاقةُ بين لانغدون وكاثرين بوصفها تجسيداً حيّاً للصراع نفسه. لانغدون يُمثّل العقلَ التفسيري، الذي اعتادَ أن يتعامل مع الرموز بوصفها ألغازاً قابلة للفكّ. أمّا كاثرين، فهي الشاهدة على تجربةٍ لا تُختزل إلى تفسير؛ تجربتها ليست شيفرة تُحَلّ، بل حالة تُعاش. بينهما يتشكَّل توتُّرٌ صامت: بين مَن يَشرح الوعي، ومَن يَختبره. هذا التوتُّر لا يُدار في حوارٍ مباشر، بل في اختلاف الموقف من الحَدَثِ ذاته، هل ما يَحدث قابل للإدراج في نظامٍ معرفيّ، أم أنّه يَضع النظامَ نفسه مَوضِعَ مُساءلة؟
كاثرين، في مُختبرها في براغ، تُحدِّق في الشاشات كما لو كانت تُحدِّق في جبينٍ طينيّ يَنتظر حَرفاً. لا تختلف كثيراً عن الحاخام الذي نَقَشَ «إيمِت» ليَهِبَ الكائنَ قيامه، إلّا أنّها لا تَنقش لتَمنحَ الحياة، بل لتشهدَ على انسحابِها. تتعقَّبُ ومضةَ الوعي قَبل أن تَنطفئ، وتَقِفُ عند اللّحظة التي يَنقلبُ فيها الحرفُ من حياةٍ إلى موت. هي غولم مقلوب: ليست مادّةً صارتْ واعية، بل وعياً يَرى فراغَهُ يتّسع. بين يديْها تتحوَّل الأنفاسُ الأخيرة إلى مُنحنيات، لكنّها لا تَعرف كيف تُعيد الحرف إذا سَقَط.
ولانغدون، بدَوره، جبينه لوحٌ آخر محفورٌ بطبقاتِ التاريخ. كلّ رمزٍ مرَّ به تَرَكَ أثراً، وكلّ أسطورة أَثقلت رأسَه بصمتِها. هو لا يَعي لأنّه يفكّ الشفرات، بل لأنّه يتحمّلها. إنّه غولِم يَحرس الذاكرة، يمشي مثقلاً بموتى لم يَعرفهم، وطقوسٍ لم يَعِشْها، ولغاتٍ لم يَنطق بها.
أمّا «الغولِم» الأسطوري، فليس عدوّاً لهما، بل مرآة. صورة الإنسان حين يُختزل وعيُه إلى وظيفة، أو حين يُترك وحيداً مع عبئه من دون عزاء. وفي اللّيل البارد ذاته، تتجاور الأجساد الثلاثة: جسد الطين الذي مُنح حرفاً، وجسد تحاصره الشاشات في محاولةٍ لالتقاط ومضة الوعي قَبل أفولها، وجسد مُثقل بذاكرةٍ لا تكفّ عن النَّقْش. ثلاث صور للإنسان وهو يَقترب من السرّ من جهاتٍ مُختلفة: الخلْق، والرصد، والتأويل. كلّها تَنقش، وكلّها تعرف أنّ الحرفَ قابلٌ للمحو. ولعلّ المُفارَقة الصامتة أنّ «الغولم» وحده كان أقلَّهم وَجَعاً؛ لأنّه لم يُمنح وقتاً كافياً ليَسألَ عن معنى الحرف قَبل أن يُسلب.
وعندما تَقترب الروايةُ من نهايتها، لا تَمنح القارئَ يقيناً جديداً، بل تَسلبه يقيناً قديماً: أنّ كلَّ لغزٍ قابل للحلّ. ما تبقّى هو ذلك الفضاء المتوتّر بين الإشارة العصبيّة والخبرة الواعية، بين الجسد الذي يُمكن قياسُه والذّات التي لا تُرى إلّا من الداخل.
هنا يتكشَّف العنوان في معناه الأعمق. «سرّ الأسرار» ليس مخطوطةً خفيّة ولا طقساً غامضاً، بل هذا اللّغز اليومي الذي نعيشه من دون أن نتوقّفَ عنده: أن نكون واعين، أن نستيقظ داخل أجسادنا، ونفكّر، ونتذكّر، ونَخاف، ونُحِبّ، ونَفتقد، من دون أن نَعرف كيف تَنبثق كلّ هذه العوالم من مادّةٍ صامتة.
ربّما لا يكمن السرّ في العثور على تفسيرٍ نهائي، بل في إدراكِ أنّ السؤالَ نفسه يتجاوز أدواتنا الجاهزة. نحن، مِثل «الغولِم»، أجسادٌ من طين، لكنّنا نحمل حرفاً خفيّاً يَجعلنا أكثر من مادّة. وإذا مُحي هذا الحرف، لا يبقى سوى الصمت. وهكذا، حين نغلق الصفحات الأخيرة، لا يبقى معنا حدثٌ بعيْنِه، بل إحساس خافت بأنّ أكثر ما في الإنسان غموضاً، هو إدراكه أنّه موجود.
* كاتبة وباحثة من مصر
(يُنشر هذا المقال بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونيّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ)