يشير الرئيس صائب سلام إلى تطورات سياسية وأمنية خطيرة حدثت في لبنان، من بينها توقيع اتفاق 17 أيار الذي أثار انقساماً حادّاً بين اللبنانيين، مما أدّى إلى معارضة إسلامية ووطنية وبالتالي إلى إلغائه في المجلس النيابي الذي سبق أن وافق عليه، كما أشار الرئيس صائب سلام إلى تشكيل حكومة برئاسة الرئيس رشيد كرامي عام 1984، فضلاً إلى الأوضاع المتدهورة عام 1985 وتوجيه صواريخ على منزل الرئيس صائب سلام لثلاث سنوات متتالية 1985- 1987 مما دعا جميع الأصدقاء والمحبين للطلب منه مغادرة لبنان حفاظاً على شخصه وأرواح العائلة، وفي الوقت نفسه كانت الحكومات اللبنانية تتهاوى أمام الأحداث الجسام في لبنان، فبعد استقالة رشيد كرامي استقال سليم الحص.
وفي معرض مذكراته يقول الرئيس صائب سلام:
«وذات صباح، أتاني (رفيق الحريري) ومعه (فاروق جبر) وقد مضى على الحريري بضعة أيام وهو في بيروت يتصل بهذا وذاك، ويقوم بزيارات، ومنها للمفتي الذي زاره قبل يوم، وطبعاً هو يتصل تكراراً بالمسؤولين وخصوصاً بـ(أمين الجميل) و(كرامي) و(الحص) كما يجتمع بـ (جنبلاط) و(بري)، والناس يلاحظون أنه لم يتصل بي. وهو يفسر ذلك بأنه كان ينتظر لنهاية زيارته -إذ غادرني اليوم إلى طائرته مباشرة عائداً إلى السعودية- ليطلعني على كل ما عنده. وقد وصف لي (الحريري) ما جرى بينه وبين (نبيه بري) في دمشق، وأهم ما كان من ذلك بحضور (عبد الحليم خدام):
أولاً: أنه نجح في تعديل بنية الجيش الذاهب إلى صيدا من جيش معظمه من الشيعة، فينقلب هناك مثلما جرى في بيروت إلى ميليشيا لـ (أمل) يعيث في البلد فساداً.
ثانياً: أنه عندما عتب عليه (بري) بأنه يتكلم (سنياً - شيعياً) أجابه: (يا نبيه أنت تعرف كم حاولت التعاون معك وشدّ أزرك، حتى إنني عاديت صائب سلام بسببك. ولكن السؤال اليوم ليس أنني أتكلم (سنياً - شيعياً) بل يجب أن تسأل لماذا اضطررتموني وأمثالي لأن نتكلم بهذه اللغة التي نأباها.
... و(الحريري) سافر اليوم، وأنا أؤخّر حملتي في هذه الآونة، لأننا على مقرب أيام من استحقاق خروج إسرائيل من صيدا وضواحيها، ولا يجوز أن نثير أية مشاكل تساعد إسرائيل على تحقيق أهدافها في إشعال الفتن في المناطق التي تخليها، فلبنان يمرُّ بتجربة قاسية في هذا المجال، فإذا نجحت إسرائيل في إثارة الفتن وبعث الاقتتال بين الفئات في الجنوب، فستقيم الحجة على لبنان، وتتوقف بعد انسحابها من صيدا، كخطوة أولى، وتعود عن تنفيذ ما تعهدت به من انسحاب كامل في خطوتين تاليتين.
وعلى ذكر ذلك، فأنا على اتصال يومي بنائب صيدا الدكتور (نزيه البزري) وجميع المجتمعين يومياً عنده، وهم يمثلون فئات صيدا وضواحيها كافة».
ومما أشار إليه الرئيس صائب سلام: «(تمام) قابل (إلياس سابا) - وهو المقرّب جداً من (سليمان فرنجية) - فقال له إن (سليمان) أصبح (نافضاً يده) تماماً من (أمين الجميل) وهو مثل والد ينتظر مرور (قطوع) الانسحاب من صيدا ليفجرها بصورة قاسية معه وعليه.
وهذا تطور هام جداً أخذت ألمحه في تصاريح (سليمان) أخيراً، مع أن المعروف -وما ظهر جلياً في لوزان- هو أن الماروني لا يفرّط بالرئيس الماروني مهما كانت الظروف... وخصوصاً إن كان الماروني المقصود (فرنجية)!
أما يوم السبت في 16 شباط/ فبراير 1985 فقد كان يوماً مشهوداً من أيام لبنان، إذ خرج فيه جيش العدو الإسرائيلي من صيدا وضواحيها بعد احتلال دام ما يزيد عن عامين. المهم في الموضوع، أن إسرائيل قررت وأعلنت قبل مدة أنها ستسحب جيوشها من لبنان على ثلاث مراحل، أولاها من صيدا وضواحيها، وقد أرفقت بذلك دعاية متنوعة الأشكال وواسعة في العالم تقول، بل تؤكد، أن هناك مجازر ستحصل بين المسلم والمسيحي وبين اللبناني والفلسطيني، فهناك في ضواحي صيدا مخيمان يضمان حوالي خمسين ألف فلسطيني. وكانت أنظار العالم ممن يخاف من وقوع ما تتنبأ به إسرائيل، وممن ينتظر وقوع الكارثة ليشمت ويفرح بالنتائج، ولكن بارك الله في أبناء صيدا فقد وعوا مسؤولياتهم وعياً كاملاً، فتضامنوا جميعاً وتضامن معهم القادة الفلسطينيون من كافة فصائل المقاومة في المخيمات، فحرموا إسرائيل من إثارة الفتنة التي سعت إليها بكل الوسائل والأحابيل.
وبصورة خاصة، بارك الله في الدكتور (نزيه البزري) نائب صيدا، وهو النائب الجنوبي الوحيد الذي بقي مقيماً في الجنوب، وضمد صمود الأبطال تجاه بطش إسرائيل الشرس، متزعماً حركة التضامن هناك، فالتف حوله المسلم والمسيحي والفلسطيني وأفشلوا مخطط إسرائيل الجهمني».
خروج الجيش الإسرائيلي من صيدا
«خرج جيش إسرائيل اليوم ودخل فريق من جيش لبنان متضامناً موحداً، وقد رأينا الآن على التلفزيون مناظر تفرح القلوب من الابتهاج الذي عمّ أهالي صيدا، نساءً ورجالاً وأطفالاً، وكانت الجماهير تتدفق لاستقبال الجيش وتظهر فرحها بأشكال متنوعة لزوال كابوس الاحتلال، ولوجود جيش لبناني شرعي لم يحضر بعد في أي منطقة من لبنان بما يرضي أبناءها.
إسرائيل انسحبت، وستتابع انسحابها ربما لأسباب كثيرة، ولكن لا شك في أن الفضل في العامل المقرر الأول يعود للمقاومة البطلة التي أبداها أبناء صيدا والجنوب.. جميع الجنوب وفي كل بقعة منه.
لعل ما قام في صيدا من تضامن مبني على وعي صحيح للمسؤولية الوطنية، يكون قدوة لجميع اللبنانيين، فيعودون لما أدعو إليه دائماً من فتح القلوب وتشابك الأيدي.
وقد كنت طيلة هذه المدة، أي منذ أسابيع، اتصل يومياً بـ (نزيه البزري) فاطمئن عليه، وأشجعه هو وكل من حوله، وأقدّر لهم ما يقومون به، وأعلن ذلك إعلامياً مما كان له وقع في الجمهور اللبناني، لتكون صيدا والجنوب قدوة للجميع.
ولا شك في أن ما كان قد وقع من مآسٍ ومجازر في الجبل، بعيد الانسحاب الإسرائيلي، كان له تأثير كبير على أساس: «ما متت.. ما شفت مين مات!» وهذا ينطبق على الجميع، ولا سيما على (القوات اللبنانية) التي نزلت بها الكارثة أكثر من الجميع آنذاك، فخففت من غطرستها اليوم، ووضعت شيئاً من العقل في رؤوس قياداتها و(أمين الجميل) بالذات».
وأشار الرئيس صائب سلام إلى زيارته إلى صيدا المقاومة فقال:
«كان (تمام) قد رتب مع بعض رفاقه من أمناء (المقاصد) الذهاب اليوم إلى صيدا بمناسبة الجلاء الإسرائيلي، ولزيارة الدكتور (نزيه البزري) وتفقّد بعض الإخوان هناك، والاطمئنان إلى أوضاعهم، وتهنئتهم بما كان من نضالهم وصمودهم وتضامنهم، وما حققوه من نتائج باهرة في الحيلولة دون الفتنة التي ملأ العدو العالم بالتهديد بأنها ستندلع بمجرد إخلائهم المدينة.
وعندما اجتمعوا صباحاً لينطلقوا برحلتهم، أجمعوا بإصرار على أن أكون معهم، وبعد التفكير قررت النزول عند إلحاحهم.
وفي الواقع فقد كانت زيارتي في محلها تماماً، حيث قدّرها أبناء صيدا كامل التقدير، وقد اقتصرت فيها على زيارة الدكتور (نزيه البزري) ووفّقني الله هناك بكلمة طويلة نقلها التلفزيون ووكالات الأنباء والصحافة، وكانت شاملة لكل ما يجب أن أقوله في هذا المقام. ويبدو أنها نالت إعجاباً فاق الحدود من كل الرفاق الذين كانوا معي، وخصوصاً من (تمام)، و(جميل كبي) اللذين لا يعجبهما العجب...!
ومع أنني كررت في نهايتها ندائي إلى المسؤولين بأن يذهبوا إلى صيدا (متضامنين جميعاً) ليعقدوا مجلس الوزراء في قلب عاصمة الجنوب، فقد وجدنا أنه بعد زيارتنا بساعة حضر الرئيس (أمين الجميل) والرئيس (رشيد كرامي) وحدهما، وكانت لهما استقبالات ضخمة، تبعتها نشاطات إعلامية واسعة في التلفزيون، لا شك في أنها ستحظى بمثل ذلك في الصحف غداً، ما جعل كثيرين يعتبرون أنهما خطفا وهج الابتهاج.
وإذا صح الافتراض واتخذا من هذا اليوم الكبير، ومن ذلك الحدث العظيم، منطلقاً جديداً لتصحيح المسيرة، فلا بأس، وأول من سيفرح بذلك هو أنا، ومن هم مثلي من المواطنين المخلصين...».
وبعد أن اضطر الرئيس صائب سلام إلى مغادرة بيروت قال:
«وفي جنيف كان قلبي ما زال يعتصر دماً وعيني تدمع أسى على ما يردني من أخبار بيروت. فمشاعري تتحرق وأنا هنا بعيد، بينما وطني (يتفتت) ومسقط رأسي ومدار اعتزازي بيروت بالذات، تشتعل احتراقاً من وطأة القنابل الثقيلة، والقتلى والجرحى الذين يتساقطون بالعشرات، أنا هنا أتعذب لبُعدي، ولكن ماذا كان بإمكاني أفعل لو كنت موجوداً؟ طبعاً لا شيء سوى إرضاء عاطفتي وضميري وشعوري بأنني بين إخواني وأهلي.. وشعورهم بأني معهم وإلى جانبهم، بل كنت على الأقل أرفع صوتي متحمّلاً كل النتائج، مهما كانت، وهذا ما فعله (تمام) في غيابي. فقد وقعت بيروت فريسة عدوان واسع شرس منذ أسابيع، إذ قامت شراذم تنتهك حرمات المجتمع (السنّي) على كل صعيد وتدوس كرامته. ويا لألمي الشخصي، أنا الذي أمضيت حياتي أدعو إلى عدم التفرقة بين سنّي وشيعي خاصة، ولجمع السنّة والشيعة والدروز في نطاق إسلامي واحد! بل لقد كنت ولا أزال أدعو إلى وحدة لبنانية شاملة، بين مسلم ومسيحي، للحفاظ على (لبنان الواحد لا لبنانان). (تمام) وحده وقف يرفع الصوت بكرامة وجرأة، متحمّلاً مسؤولية كلامة وموقفه، والأنكى من ذلك أن الخائفين لم يكتفوا بموقف الخنوع السلبي، إذ اختفوا جميعاً عن الساحة، بل إنهم لبّوا دعوة سوريا إلى دمشق، حيث جمعوهم مع (بري) و(جنبلاط) وجعلوهم يصدرون بياناً تلاه (عبد الحليم خدام) باسمهم - سجلوا فيه خنوعهم إيجابياً، وأقرّا لـ (أمل) و(الميليشيات الدرزية) بحق السيطرة المسلحة على (بيروت الغربية) بصورة شرعية، بعد أن كانوا قد سيطروا عليها بصورة غير شرعية). أما الذين ذهبوا إلى دمشق فكانوا: المفتي (حسن خالد)، رئيس الوزارة (رشيد كرامي)، الوزير (سليم الحص)، الرئيسان (تقي الدين الصلح)، و(رشيد الصلح)، ونائب صيدا (نزيه البزري)، وكذلك شيخ العقل (محمد أبو شقرا)، والمفتي (عبد الأمير قبلان) نيابة عن الشيخ (محمد مهدي شمي الدين) الغائب في إيران. وقد اجتمعوا هناك عند (عبد الحليم خدام)، ثم مع الرئيس (الأسد) بـ (وليد جنبلاط) و(نبيه بري).
ومما قاله الرئيس صائب سلام: «أردد كل هذا، من هنا، وليس في مقدوري أن أتحرك، فقد أتينا لمتابعة مراقبة سير مرض (تميمة) التي أصابها السرطان في القولون، وأجريت لها عملية استئصاله في لوس أنجلوس، وقد منَّ علينا المولى بأن النتائج إلى اليوم مرضية، ولكننا اضطررنا للبقاء هذه المدة الطويلة مرغمين، بينما قلبي يتمزق حرقة على بُعدي عن بلدي في هذه الظروف العصيبة، وفي ذات الوقت، ما نتحمّله من مصاريف باهظة هي همّ من همومنا في هذه الأيام.
ولكن صحة (تميمة) هي أغلى ما عندي في هذه الدنيا، فـ (تميمة) هي روحي وحياتي، وهل يمكنني أن أغفل عن العناية بها لحظة واحدة؟!
هذا مع العلم بأننا اكتشفنا منذ السنة الماضية، أنني أنا الآخر بحاجة للمراقبة على قلبي، مع أنني أشعر بعافية تامة والحمد للّه.
واليوم، بعد مواقف (تمام) المماثلة والمشرّفة، رموا دارة المصيطبة بصاروخ للمرة الثالثة، فما كان منه إلا أن كال لهم التنديد والتعنيف بأشدّ ما يتقبّله أي حذر أو متعقل كما أخبرني هاتفياً، حماه الله وبارك له في رجولته وعنفوانه. أول رد فعل لي كان أنني حجزت مكاناً في الطائرة لأكون في بيروت غداً، وأبت (تميمة) إلا أن تكون برفقتي. وبعد أن رتبنا كل ذلك أتاني اتصال آخر من (تمام) وهو يصرُّ إصراراً شديداً على ألا أحضر، لأنه يجد في ذلك غضاضة تمسّه، إذ ربما عودتي تعطي انطباعاً بأنه ضعيف الكيان، وقد جئت لأحميه، فنزلت عند إلحاحه مرغماً، لأنني لم أكن أنظر إلى الأمر من هذه الزاوية، لكن أردت أن أبدد ما يشيعه المغرضون بأن استمرار غيابي هو خشيتي منهم، وأنا ما تعوّدت أن أخشى سوى ربي عزّ وجلّ.
ولم يتأخر (تمام) في المجيء من بيروت، وقد كنت شديد القلق عليه في هذه المدة، فهو لم يوفر في أثناء غيابي موقفاً وطنياً إلا اتخذ فيه ما أملاه عليه واجبه الوطني الصادق، وضميره ومسؤوليته تجاه أبناء بلده، من إعلاء الصوت عالياً في الصحف والإذاعات، معبّراً بذلك عن شعور وتفكير الأكثرية الصامتة العزلاء المقهورة وخصوصاً السنية منها التي لم تجد مع الأسف الشديد، طيلة هذه المدة، من يعبّر عن رأيها. وكان يهاجم بعنف أصحاب السلاح والميليشيات، والمسؤولين عنهم، ويسمّي الأشياء بأسمائها، وما يقومون به تحت ستار النضال الوطني من ممارسات إجرامية، فيها السرقة والنهب والقتل وانتهاك حرمات المواطنين ومنازلهم ومصادر رزقهم. وكان يدلي بالتصريح تلو التصريح الذي (يفش خلق) المواطنين ويكشف ممارسات المسلحين والميليشيات. وكانت تأتيني الأصداء من لبنان ومن باريس ولندن وأميركا وغيرها وكلها إعجاب وتقدير، ليس لكلمة الصدق والحق التي لم يعد يقولها غيره فحسب، بل أيضاً لكفاءته في التعبير عن مشاعر الناس بأسلوب متميز...».
يتبع...