«ساعةٌ على الحائط... وعقاربُ في دمي»
هنا، غرفة بلا نوافذ. الكراسي مصطفّة كاعترافاتٍ متعبة، الوقت لا يمضي… بل يتكاثر. شاشةٌ معلّقة تعلن الأرقام ببرودٍ مخيف، وأنا رقمٌ مؤجَّل، مؤجَّل دائمًا، كأنني خارجُ إيقاع الزمن، حاضِرَةٌ في المكانِ، غائِبَةٌ عن مَجْراهُ.
أجلس وحيدةً. أُحصي الدقائق كما لو أنني أستجديها، بينما عقربٌ يقيس الوقت بلامبالاة، وآخر يحصي ثواب صبري وثباتي، وثالثٌ يعدّ ما تبقّى من وجودي، الذي يذوب فوق هذا المقعد كقطعة ثلج على نارٍ لا تُرى. لا أعرف كم مضى؛ عشر دقائق… أم عامٌ كامل؟ الهواء باردٌ؛ برودةٌ لا تنعش، بل تحفظ الأجساد كأنها قِطَعُ لحم في ثلّاجةِ الزمن، مؤجَّلة للاستهلاك. الجميع صامتون، غير أن الصمت هنا ليس سلامًا، بل اتفاقٌ خفيٌّ على العجز.
أُراقِبُ البابَ. كُلَّما فُتِحَ، ابتلع أحدَنا، ثم أغلِقَ من جديد . لا أحدَ يعود ليُخبرنا ماذا في الداخل؛ أهو الخلاص، أم نسخةٌ أخرى من الانتظار؟ ثم أراقب وجوه المغادرين من الجهة الأخرى. أرصد ملامحهم كما يرصد عالمُ آثارٍ بقايا حضارةٍ منهارة. بعضهم يخرج وقد حفرت الصدمة واليأس أخاديدَ جديدةً من الخوف في وجهه، كأن الداخل انتزع منه شيئًا لن يعود. وبعضهم يخرج مطأطئ الرأس، يحمل أوراقه كما يحمل حكمًا مؤجَّلًا على حياته. وآخرون يخرجون بملامح جامدة، لا هي انتصارٌ ولا هزيمة؛ فقط استسلامٌ كامل، كأنهم تركوا في الداخل آخر ما تبقّى لهم من مقاومة.وفي رأسي، كان العالم حولي يتغيّر. مدنٌ تسقط، بحارٌ تنحسر، شعوبٌ تشيخ، وأعمارٌ تُستهلك. كلّ ذلك، وأنا في مكاني، لم يتحرّك رقمي.
وفجأة، لمحتُ رقمي على الشاشة. راودتني رغبةٌ عارمة في الفرار، كأنني إن بقيتُ في مكاني استطعتُ أن أؤجّل ما ينتظرني خلف ذلك الباب. لكن لا مفرَّ.رفعت الموظفة، بثوبها الأبيض، رأسها. التقت عينانا للحظة؛ لم تكن في نظرتها قسوةٌ ولا رحمة، بل حيادٌ باردٌ اعتاد رؤية الوجوه القلقة. ثم قالت:
«تفضَّلي... دورُك.»






