الانتصارات والهزائم في الحروب والأوهام التي ترافقها: نظرة فلسفية لحرب أميركا وإسرائيل على إيران
البروفسور ميشال فريد الخوري
ليست الحروب مجرّد صدام بين جيوش، ولا تنتهي دائماً عند توقيع وقف إطلاق النار أو إعلان المنتصر والمهزوم. فالحرب، في عمقها الفلسفي، امتحان لقدرة الدول على فهم الواقع كما هو لا كما تتمنى أن يكون. لذلك، فإن الانتصار والهزيمة ليسا مفهومين بسيطين، فقد تنتصر دولة عسكرياً وتنهزم سياسياً، وقد تُهزم قوة في معركة لكنها تحتفظ بمشروعها الاستراتيجي، وقد يخرج طرف من الحرب وهو يعلن النصر بينما يكون قد خسر اقتصاده، وتحالفاته، وثقة المجتمع الدولي به. فكثير من الحروب تبدأ بفكرة الحسم السريع، ثم تتحوّل إلى استنزاف طويل؛ وكثير من القادة يدخلونها معتقدين أنهم يعرفون بدايتها، ثم يكتشفون أنهم لا يملكون نهايتها. ومن هنا، فإن فلسفة الانتصارات والهزائم في الحروب لا تسأل فقط: من ربح المعركة؟ بل تسأل: هل تحقّق الهدف السياسي؟ وهل خرج المهزوم أكثر ضعفاً، أم أكثر تصميماً وتشدّداً؟ لذلك، تحتاج فلسفة الانتصار والهزائم إلى تجاوز لغة الشعارات نحو سؤال أعمق: متى يكون النصر حقيقياً، ومتى تكون الهزيمة بداية جديدة، ومتى تكون الأوهام سبب في صناعة الحروب؟
حرب تبحث عن هدف: يقول ريمون آرون في كتاب «الحرب والسلام بين الأمم» إن السياسة الدولية تتحرك دائماً بين الحرب والسلام، وبين القوة والتفاوض. فليس صحيحاً أن التفاوض نقيض القوة، فأحياناً يكون التفاوض ثمرة القوة. وليس صحيحاً أن الحرب تلغي الدبلوماسية؛ فالحرب الناجحة تفتح باباً لتسوية أفضل. لذلك، فإن أي حرب ضد إيران لا تستطيع أن تنجح إذا بقيت محصورة في منطق الصواريخ المتبادلة. وهنا لا بد من طرح الأسئلة التالية: ما هو الشكل النهائي للعلاقة مع إيران؟ هل المطلوب إسقاط النظام؟ تغيير سلوكه؟ تقييد برنامجيه النووي والبالستي؟ تقليص نفوذه الإقليمي؟ من دون هدف واضح، تصبح الحرب وسيلة تبحث عن غاية.
الحسابات في الحروب: يقول نيقولو مكيافيلي في كتابيه «الأمير» و«المطارحات» إن السياسة لا تقوم على الأمنيات بل على القدرة. فالدولة التي تريد أن تنتصر لا يكفي أن تكون قضيتها عادلة في نظرها، ولا أن تمتلك قوة كبيرة، بل عليها أن تعرف حدود قوتها وقدرة خصمها. ومن هنا، فإن أميركا وإسرائيل تخطئان إذا افترضتا أن التفوق العسكري يلغي التشابك الإيراني بين السياسة والدين والتاريخ. وفي المقابل، تخطئ إيران إذا اعتقدت أن الصمود وحده يساوي نصراً. فالصمود قد يكون ضرورياً، لكنه إذا لم يتحول إلى مكسب سياسي كحماية شعبها وتخفيف عزلتها، يبقى صموداً مكلفاً من دون نتيجة.
وهم الانتصار: حين تربح في الميدان وتخسر في السياسة: أخطر ما يرافق الحروب ليس الهزيمة، بل وهم الانتصار. فقد ينجح طرف في تدمير منشآت وبنى تحتية، وسحق القدرات العسكرية، وفرض تفوق تكنولوجي، ثم يعلن أنه حقق هدفه، بينما تكون الحرب قد أنتجت واقعاً أكثر خطورة. كلاوزفيتز في كتابه «عن الحرب» يقول انه ليس للنصر العسكري قيمة إذا لم يتحوّل إلى مكسب سياسي مستدام. في هذا السياق، يكون السؤال في حرب أميركا وإسرائيل ضد إيران، هل أنتجت القوة أمناً دائماً؟ تستطيع أميركا وإسرائيل ضرب إيران وإضعاف قدراتها، لكن هل تستطيعان تحويل هذه الضربات إلى نظام سياسي أكثر استقراراً؟ هنا نرى الفرق بين النصر الحقيقي والنصر الوهمي، وهنا يصدق كلاوزفيتز: الحرب التي لا تعرف نهاية سياسية تتحول إلى استنزاف، حتى لو بدأت بتفوّق عسكري واضح. لذلك نرى أن الولايات المتحدة حاولت جاهدة أن تنتج مكسب سياسي من هذه الحرب بإبرام اتفاق مع إيران لتثبيت انتصارها الميداني سياسياً. في المقابل، نرى إيران التي دُمّرت بنيتها وقتل العديد من قادتها ومقاتليها، تُوهم شعبها والمجتمع الذي تعيش فيه بأنها انتصرت مجرد أن النظام بقي على قيد الحياة، وتحاول أيضاً إبرام اتفاق لتثبيت هذا الانتصار.
وهم الخوف من العدو: أما ثوسيديدس، في «تاريخ الحرب البيلوبونيسية»، فقد رأى أن الحروب الكبرى تنشأ غالباً من الخوف، والمصلحة، والهيبة. وهذا ينطبق بقوة على الصراع مع إيران؛ فإسرائيل تخاف من توسع النفوذ الإيراني ومن تهديد أمنها، وأميركا تخاف من اختلال ميزان الشرق الأوسط ومن تهديد الملاحة والطاقة وحلفائها، وإيران تخاف من الحصار والتطويق وإسقاط نظامها. وعندما يتحكم الخوف في القرارات، قد تدخل الدول حرباً تظنها دفاعية، لكنها قد تتحول إلى مواجهة أوسع مما أرادت. الخوف، إذا لم تضبطه السياسة، يصبح مصنعاً للأوهام لأن كل طرف يضخّم خطر الآخر، وكل طرف يبرر تصعيده باعتباره ضرورة وجودية.
وهم الحسم النهائي: يقول سون تزو في كتابه «فن الحرب» إن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تحقق أكبر دمار، بل تلك التي تكسر خطة الخصم بأقل كلفة. فالحرب عنده ليست استعراضاً للقوة، بل فناً في الحساب، والخداع، والتوقيت، ومعرفة الذات والعدو. من أخطر الأوهام التي رافقت الحرب ضد إيران الاعتقاد بأن القوة الجوية أو التفوق التكنولوجي وحدهما يكفيان لإخضاع دولة ذات عمق جغرافي وتاريخي، وشبكات نفوذ إقليمية. فكثيراً ما تقع القوى الكبرى في اعتقاد أنه بإمكانها إنهاء مشكلة بضربة عسكرية حاسمة. هنا يظهر وهم الحسم النهائي لأن التاريخ يعلّم العكس؛ فقد تُضعف الضربة خصماً، لكنها قد تدفع مجتمعها إلى القومية والتشدد، وقد تدمّر قدرة، لكنها لا تدمّر الإرادة. لذلك فإن حرب أميركا وإسرائيل ضد إيران، إذا لم تُربط بهدف سياسي واضح قابل للتحقّق، قد تتحول إلى حرب مفتوحة. وهنا يظهر الفرق بين الانتصار الوهمي والذي يعني إسكات الخصم مؤقتاً، والانتصار الحقيقي الذي يعني دفعه إلى قبول معادلة سياسية جديدة قابلة للاستمرار.
وهم اختزال القوة بالسلاح: هنا يشرح هانز مورغنثاو في كتاب «السياسة بين الأمم»، كيف أن القوة في العلاقات الدولية لا تختصر بالسلاح. القوة هي أيضاً اقتصاد، وتحالفات، وشرعية، ومعنويات، وقدرة على الاحتمال. بهذا المعنى، لا يمكن قياس الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران من خلال الضربات فقط، بل يجب أن تُقاس من خلال التأثير على الاقتصاد العالمي، وموقف الحلفاء، والرأي العام، وقدرة كل طرف على تحمل حرب طويلة. فإذا استطاعت إيران أن تصمد رغم الخسارة العسكرية، فإنها تمنع خصومها من تحقيق النصر الكامل. وإذا استطاعت أميركا وإسرائيل أن تفرضا استراتيجيتهما من دون الغرق في حرب مفتوحة، فهما تقتربان من النصر. أما إذا توسعت الجبهات في المنطقة، فإن الجميع يدخل دائرة الهزيمة المشتركة.
وهم الصمود من دون نتيجة: انتقد فريدريك نيتشه في كتابيه «ما وراء الخير والشر» و«في جينالوجيا الأخلاق» النزعة التي تحوّل الألم إلى فضيلة. وهذا مهم في فهم الحروب، فليس كل تحمّل للدمار بطولة، وليس كل خسارة دليلاً على الانكسار، وليس كل صمود انتصاراً. قد تستخدم إيران وحلفاؤها لغة الصمود والمقاومة لتغطية الكلفة والخسائر، وقد تستخدم أميركا وإسرائيل لغة الأمن والسلام العالمي لتبرير القصف واتساع الحرب. لكن الفلسفة تسأل عن النتيجة، هل صار الناس أكثر أمناً؟ هل تراجعت احتمالات الحرب؟ هل أُغلق باب الخطر أم فُتح على مصراعيه؟
في الاتفاق الأميركي - الإيراني: حتى الآن، لا يظهر في العلن أن الولايات المتحدة حققت مكسباً استراتيجياً واضحاً يوازي أهداف الحرب المعلنة. ففتح مضيق هرمز من دون رسوم، وعودته إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب ليس نصراً. أما تعهّد إيران بعدم السعي إلى تطوير أو امتلاك سلاح نووي، فلا يصح تقديمه كإنجاز أميركي جديد؛ لأن إيران كانت قد تعهّدت بذلك في الاتفاق النووي لعام 2015، الذي أُبرم في عهد باراك أوباما. وبما أن التفاهم الحالي أجّل هذه التفاصيل إلى مفاوضات لاحقة، فلا يمكن اعتبار واشنطن قد حققت هدفها الأساسي، بل حققت تهدئة مؤقتة وفتحت مسار تفاوض هش مجهول المصير.
أما إيران، رغم كلفة الحرب والدمار، فقد حققت مكاسب سياسية واقتصادية جيدة. فقد انتقلت من موقع المحاصر والمتعرّض للقصف إلى موقع المفاوض، ونالت هدنة أوقفت العمليات العسكرية مؤقتاً من دون أن تُفرض عليها تسوية نهائية في الملف النووي. كان أبرز عناصر قوتها استعمال إغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط، الذي أدّى إلى رفع كلفة الحرب على العالم أجمع، ما دفع أميركا نحو وقف القتال والذهاب إلى المفاوضات. وحصلت على إعفاءات محدودة للعقوبات ما يتيح لها بيع النفط والتعامل مع المصارف لمدة محدودة، وهذا يمنح اقتصادها متنفساً بعد سنوات من العزلة. والأهم أنها لم تتنازل عن حقها في التفاوض بشأن تخصيب اليورانيوم، بل أُرجئت القضية إلى مرحلة لاحقة. لكن هذه المكاسب تبقى هشة ومشروطة؛ فهي ليست رفعاً دائماً للعقوبات ولا عودة كاملة إلى الاقتصاد العالمي، بل أوراق قوة مؤقتة ستُختبر خلال المفاوضات الحالية.
في النهاية، وبعد توصّل أميركا وإيران إلى اتفاق مبدئي، ترى الفلسفة أن القدرة على قراءة الواقع تحدّد المهزوم والمنتصر. ليست الغلبة أن يملك طرف سلاحاً أقوى، بل أن يعرف كيف يستخدم قوته في خدمة هدف واضح. فالحروب تكشف الأوهام: وهم الحسم السريع، ووهم التفوق، ووهم الصمود، ووهم الخوف، ووهم النصر. وبين أميركا وإسرائيل وإيران، يبقى الدرس الفلسفي أن من لا ينتصر على أوهامه، قد يدخل الحرب وهو يظن نفسه ذاهباً إلى النصر، ثم يكتشف أنه ذهب إلى مشكلة أكبر من التي كانت قبل الحرب. لذلك، فإن فلسفة الانتصار في هذه الحرب تكشف أن النصر الأميركي لا يكون بإعلان التفوق العسكري، بل ببناء نتيجة قابلة للحياة. فإذا انتهت الحرب إلى ضبط قدرات إيران النووية والبالستية، ووقف التصعيد، وحماية الملاحة في مضيق هرمز، والحد من قدرة أذرع إيران في المنطقة، وفتح طريق تفاوضي واضح لبناء مستقبل للشعب الإيراني وللمنطقة، فقد يكون هناك نصر سياسي. أما إذا افضت إلى دمار أوسع، وردود انتقامية، وانقسام عالمي، وسباق تسلح جديد، فإن المنتصر العسكري قد يكتشف أنه خسر المعنى الحقيقي للنصر.






