بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

15 تشرين الثاني 2025 12:00ص «هجنة» الشتاء!

حجم الخط
لم يكن أحد في لبنان يتوقع أن يطول القيظ إلى منتصف تشرين الثاني، فيغدو الهواء خفيفًا إلى حدّ الجفاف، وتتشقق الأيام من فرط الحرارة كأنها بلا ماء. اعتاد الناس أن ينتظروا الشتاء كما ينتظر المسافرُ ميناءه، لكن السماء بقيت مغلقة، صامتة، تراقب الأرض من علٍ دون أن تُرسل إليها ما يطفئ عطشها.
أمس، انتظر اللبنانيون بفارغ الصبر هطول أوّل زخّات المطر، حيث تبدّل المشهد فجأة؛ انهمر المطر الأول، خجولًا في بدايته، ثم واثقًا كمن عاد إلى مكان يعرفه جيدًا. خرجوا إلى الشرفات كما لو أنهم يشاهدون معجزة؛ رفعوا وجوههم نحو السماء، ابتسموا، وبعضهم مدّ كفّيه كمن يسقي روحه. بدا المشهد غريبًا، كأن البلاد استعادت ذاكرتها بعد غيبوبة طويلة، وكأن المطر هو الحكاية التي كانت تنتظر أن تُروى.
وكانت الأشهر الماضية ثقيلة على اللبنانيين الذين شعروا أن طقس لبنان ذي الفصول الأربعة قد تغيّر إلى الأبد، وأصبح طقسًا صحراويًا حارًا يلامس طقس البلدان الخليجية، فوقفوا في حضرة الباري يصلّون صلاة الاستسقاء، يناجون الرب أن يمنّ عليهم بشتاء ماطر غزير يغنيهم عن سنة ماضية من ندرة المياه.
الماء الذي انسكب أمس أعاد إليهم شيئًا فقدوه: الأمان القديم، رائحة التربة التي تشتاق لملامسة القطرات، وصوت الطرقات حين تتحوّل إلى طبول خفيفة. تذكّر الناس بلاد الخليج التي اعتادوا أن يسمعوا أخبار وقاحتها بالحرارة والجفاف، لكنهم اليوم رأوا أنفسهم في مرآتها، وارتجفوا.
«هجنة» الشتاء المستجدّة في القاموس اللبناني قد تكون بمثابة الأمل ليس للبشر وحدهم، بل للنبات الذي يبس، والثمار التي لم تنضج بفعل العطش الطويل.
بعض اللحظات لا تحتاج إلى زمن طويل كي تنقش حضورها… يكفي أن تأتي في الوقت المناسب.
أخبار ذات صلة