إيلي فودى
يمكن ألّا يكون قرار إسرائيل الاعتراف بأرض الصومال قراراً حكيماً من الناحية الدبلوماسية، لكنه ينطوي على منطق جيو - استراتيجي، نظراً إلى موقعها على ساحل البحر الأحمر وقُربها من مضيق باب المندب، ومن الأراضي اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
إن محاولات إسرائيل إقامة علاقات مع الصومال، الدولة التي انفصلت عنها أرض الصومال، بدأت في أواخر خمسينيات القرن الماضي، في إطار «سياسة الأطراف» التي هدفت إلى إقامة تحالفات وتعاوُن مع دول وأقليات في أطراف الشرق الأوسط، بما في ذلك القرن الأفريقي، غير أن تفضيل إسرائيل لإثيوبيا المسيحية المجاورة، فضلاً عن النفوذ المصري في الصومال العربية - الإسلامية، وضعا حداً لعقدٍ من الاتصالات.
من اتفاقيات إلى علامة تجارية
إن إحدى النقاط اللافتة في العلاقة الجديدة هي قيام نتنياهو بتسويقها على أنها تأتي ضمن «روح اتفاقيات أبراهام التي وقِّعت بمبادرة من الرئيس ترامب»، على الرغم من أن الرئيس الأميركي، على الأرجح، لم يسمع بهذا الكيان من ذي قبل.
لقد حدث شيء ما لاتفاقيات أبراهام التي وُقِّعت بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب في سنة 2020، إذ تحولت من اتفاقيات إلى علامة تجارية.
سيفاجأ كثيرون حين يعلمون أن اسم اتفاقيات أبراهام اختير بالصدفة تقريباً؛ يروي السفير الأميركي السابق في إسرائيل، ديفيد فريدمان، في مذكراته، أنه قبل نحو نصف ساعة من إعلان اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات في 13 آب/أغسطس 2020، جاء الجنرال مايكل كوريلا – الذي كان يخدم في مجلس الأمن القومي حينها – وقال إنه لا بدّ من اختيار اسم للاتفاق، مثل «اتفاق كامب ديفيد» (1978) و«اتفاق أوسلو» (1993)، فسأل فريدمان كوريلا عمّا إذا كان لديه اقتراح، فأجاب على الفور: اتفاقيات أبراهام، وهكذا اختير الاسم.
خلال المؤتمر الصحافي، طُلب من فريدمان شرح سبب اختيار الاسم، فتجاهل الطابع العفوي للاختيار، وشرح أن «أبراهام يُعتبر أباً للديانات الثلاث الكبرى،» وبالتالي فهو يرمز إلى إمكان الوحدة بينها؛ في تلك اللحظة، لم يكن معلوماً بعد بأن دولاً أُخرى ستنضم إلى الاتفاقيات لاحقاً.
بدا ربط المصطلح باتفاقيات التطبيع مع البحرين والسودان والمغرب كأنه طبيعي بسبب تقارُب التواريخ (خلال أربعة أشهر)، ولأنها دول عربية لم تربطها بإسرائيل أي علاقات دبلوماسية، علاوةً على ذلك، كانت الإمارات والبحرين والمغرب روّجت مشاريع التسامح الديني، حتى قبل توقيع الاتفاقيات. وكان المصطلح مناسباً بشكل خاص للعلاقة بالمغرب، في ضوء الروابط التاريخية - الدينية ذات الطابع الإبراهيمي المشترك؛ أمّا السودان، فكان دائماً «حالة مختلفة»، والدليل على ذلك أن الاتفاق معه لم يتطور فعلياً.
اتفاقيات من دون مضمون، لكن بشعار
يوجد للاتفاقيات شعار (لوغو) خاص – بينما لا تمتلك اتفاقياتٌ، مثل كامب ديفيد وأوسلو، شعارات ولا فِرق علاقات عامة. وسرعان ما أُنشئ «معهد اتفاقيات أبراهام» على يد جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب. ومؤخراً، تم «دمج» المعهد في معهد «هيريتيج» المحافظ، الذي يروّج سياسات ترامب. كذلك أنشئت معاهد ومجموعات ضغط برلمانية في بريطانيا وألمانيا، من دون أن يكون واضحاً ما إذا كان ذلك بمبادرة مستقلة، أم بدفع أميركي.
أين سيُفتتح الفرع التالي للعلامة التجارية؟
افتُتح الفرع الأول لـ«اتفاقيات أبراهام» في كوسوفو في شباط/فبراير 2021، وعلى الرغم من أن سكانها مسلمون، في أغلبيتهم، فإنها تقع في أوروبا، ولا علاقة لها بصراعات الشرق الأوسط. ومع ذلك، تظهر كوسوفو على خريطة معهد اتفاقيات أبراهام، على الرغم من أن المصطلح لم يُذكر في الإعلان الرسمي.
بطبيعة الحال، جمّدت الحرب التحركات الدبلوماسية، لكن من أجل خلق زخمٍ، أعلن المبعوث ويتكوف في أيار/مايو 2025 أن أرمينيا وأذربيجان، وكذلك سورية ولبنان، قد تنضم إلى «اتفاقيات أبراهام». هذا التصريح أثار الاستغراب، فما علاقة أرمينيا وأذربيجان بالاتفاقيات، وهما تقيمان علاقات دبلوماسية مع إسرائيل أصلاً؟ أمّا سورية ولبنان فهُما بعيدتان جداً عن التطبيع. كذلك أُدرجت إندونيسيا والسعودية في القائمة، لكن بعد قمة شرم الشيخ في أيلول/سبتمبر 2025، اتّضح أن هذا لن يحدث – على الأقل في الوقت الراهن.
كازاخستان… ثم أرض الصومال
فما العمل إذاً؟ جاءت «النجدة» من خلال افتتاح فرع جديد للعلامة التجارية في كازاخستان في أواخر سنة 2025، وعلى الرغم من أن سكانها مسلمون، في أغلبيتهم، فإنها تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ سنة 1992، وتقع في آسيا الوسطى، وبالتالي لا علاقة لها بالمنطق الأصلي الذي قاد إلى توقيع اتفاقيات أبراهام.
والآن، يُفتتح الفرع الثالث في أرض الصومال، والذي لا يمتّ بصلة، هو الآخر، إلى المنطق الأصلي لتلك الاتفاقيات.
تضخيم متعمَّد يُفرغ الاتفاقيات من قيمتها
وفقاً لمعهد هيريتيج، تمثل اتفاقيات أبراهام «تحولاً نموذجياً في الدبلوماسية الشرق الأوسطية، وتطرح مساراً محتملاً لإنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي، وتعبّر عن عصر جديد من السلام والتسامح والفرص في الشرق الأوسط وخارجه.» لكن من الواضح أن الصلة بين هذه الشعارات الجميلة وبين الدول المنضمّة حديثاً ضعيفة – إن وُجدت أصلاً.
إن التصور التجاري الذي يوجّه ترامب في هندسة السياسة الخارجية، يدفعه، مع نتنياهو، إلى تسويق كل «منتوج» دبلوماسي بأقل تكلفة سياسية واقتصادية ممكنة؛ فالإمارات حصلت على وعود بطائرات F-35 (لم تصل في النهاية)؛ نتنياهو «دفع» الثمن بتجميد فكرة ضم الأراضي في الضفة الغربية التي لم يكن ينوي تنفيذها أصلاً؛ المغرب حصل على اعتراف بالصحراء الغربية؛ السودان حصل على مساعدات ووعود لم تنفَّذ؛ البحرين لم تحصل على شيء تقريباً؛ أمّا في كازاخستان، فحصل ترامب على المعادن؛ وإسرائيل اعترفت بأرض الصومال – غير المعترَف بها دولياً – في مقابل مكسب استراتيجي يتمثل في موطئ قدم إقليمي ضد الحوثيين وإيران.
الخلاصة
إن المشكلة ليست في اتفاقيات أبراهام بحد ذاتها؛ لقد استفادت إسرائيل منها في مجالات الاعتراف والتعاون الأمني والعلاقات المدنية، لكن العيب الجوهري – والمقصود – كان في تجاوُز القضية الفلسطينية، الأمر الذي انفجر في وجه إسرائيل في هجوم «حماس» في 7 تشرين الأول/أكتوبر.
يبدو كأن أهمية تسويق ترامب نفسه على أنه صانع سلام عالمي، عبر «منتوج» اسمه اتفاقيات أبراهام، طغت على بناء مضمون حقيقي من التعاون والتسامح، وذلك من أجل خلق مظهر زائف من التقدم والنجاح.
إن أرض الصومال تقف وحدها، ولا علاقة لها، شأنها شأن الدول التي أضيفت مؤخراً، بالهدف الذي عُقدت من أجله اتفاقيات أبراهام. المطلوب تعزيز أهدافها الأصلية بين الدول المؤسِّسة أولاً، بعد ذلك فقط، يمكن إدخال البعد الفلسطيني، وعندها فقط ربما تُفتح الطريق نحو توسيع الاتفاقيات بروحية مبادئها الأساسية.
المصدر: قناة N12
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية