من إعلام العدو: إتفاق الإطار مع لبنان إنجاز مهم رغم الشكوك في التنفيذ
عيران ليرمان
إن مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بنداً، والمرفقة بملحقات تنفيذية سرّية، والتي وُقِّعت في 26 حزيران/يونيو 2026 في ختام الجولة الخامسة من المحادثات في واشنطن بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، تُعَد إنجازاً سياسياً مهماً بحد ذاته، وإن لم تكن فرص تنفيذها على أرض الواقع في الجنوب اللبناني واضحة في ظل الظروف القائمة. وتنبع أهمية هذه المذكرة على المستوى الاستراتيجي من أربعة جوانب:
أولاً، الاعتراف اللبناني بإسرائيل وسيادتها في وثيقة رسمية (للمرة الأولى منذ سنة 1983). ومن الجدير بالذكر أن الاتفاق الخاص بالمياه الاقتصادية لم يُبرَم ولم يُوقَّع بشكل مباشر بين الطرفين، بل وقّع كل طرف اتفاقاً منفصلاً مع الولايات المتحدة. وفي ظل ظروف العزلة والعداء الراهنة، يكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة.
ثانياً، الاستعداد، ولو على المستوى المبدئي، للعمل على تفكيك جميع الميليشيات غير الحكومية (أي حزب الله والعناصر المرتبطة به)، مع التأكيد أنه لن يتم الانسحاب الإسرائيلي من لبنان ما دامت هذه الميليشيات تحتفظ بأسلحتها.
ثالثاً، الاتفاق على تنفيذٍ بالتدريج، وفق مبدأ «خطوة في مقابل خطوة»، وهذا يعني أنه بعد إخلاء كل منطقة محددة، سيكون في إمكان إسرائيل في كل مرحلة وقف العملية، في حال تبيّن أن الجيش اللبناني لا يفي بالالتزامات المطلوبة منه. ويتم ذلك تحت إشراف ومتابعة أميركية، وهذا ما تمت مناقشته خلال لقاء رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في 1 تموز/ يوليو والمنسق الأميركي الفريق جوزيف كليرفيلد. ووفقاً لهذا التصور، فإن دور قوات اليونيفيل يصبح، عملياً، محدوداً إلى حد كبير.
وربما يكمن الجانب الأهم في التحول الذي طرأ على الموقف الأميركي، مقارنةً بصيغة مذكرة التفاهم مع إيران (17 حزيران/يونيو)، فيما يتعلق بالعلاقة بين التسوية مع إيران والوضع في لبنان؛ ففي مقابل مطالبة إيران بأن يكون لها دور في لبنان، وبانسحاب إسرائيلي كامل – وهو ما يُعتبر «منحدراً زلقاً» ربما يقود إلى مطالب إضافية، ويتضح أيضاً من صيغة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن على الولايات المتحدة «كبح جماح حيواناتها الأليفة» – فإن التفاهم مع لبنان لا يترك لإيران، ولا حتى لحزب الله، كطرف مستقل، أي مكانة سياسية في تحديد مستقبل لبنان.
وفي المقابل، تبقى علامات الاستفهام قائمة بشأن تنفيذ الاتفاق، في ظل إخفاقات التجارب السابقة؛ فالحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس جوزاف عون، إلى جانب أصوات عديدة في الساحة اللبنانية، تبدو مصممة على تحرير البلد من هيمنة تنظيمٍ يدين بالولاء لقوة خارجية، هي إيران، إلّا أن الجيش اللبناني يضم عناصر تُعتبر قريبة من حزب الله، وما لم تتراجع سيطرة الحزب على الطائفة الشيعية، فمن غير الواضح ما إذا كان الجيش سيتمكن فعلاً من تنفيذ المهمة. ويمكن أن يساهم الدعم الخارجي، سواء من الدول الغربية، أو من دولة الإمارات العربية المتحدة، في تعزيز فرص النجاح. وفي المقابل، تقتضي المصلحة الإسرائيلية تجنُّب أي تدخّل من تركيا، أو النظام السوري في لبنان.
الجوانب المهمة في مضمون مذكرة التفاهم مع لبنان
هناك ما يبرر القول إن توقيع مذكرة التفاهم مع لبنان في 26 حزيران/ يونيو 2026 شكّل إنجازاً سياسياً مهماً بحد ذاته، وإن ظلت الشكوك قائمة بشأن فرص تنفيذها عملياً؛ فمن الناحيتين الرمزية والعملية، تجسد الوثيقة واقعاً جديداً في العلاقات بين الدولتين، وتحديداً بعد العمليات الإسرائيلية التي خلّفت دماراً واسعاً في لبنان، ولا سيما في الجنوب، وبعد أن أسفر وقف إطلاق النار السابق (17 نيسان/أبريل)، عملياً، عن تدهور الوضع الأمني، وازدياد الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي، ولا سيما نتيجة استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية، ثم تجدّد الهجمات، بالتدريج، ضد أهداف عسكرية ومدنية داخل إسرائيل.
وفي حين جرى التوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين المنطقتين الاقتصاديتين الخالصتين (EEZ)، الذي وُقّع في سنة 2022، عبر مفاوضات غير مباشرة، إذ تفاوض كل طرف على حِدة مع المبعوث الأميركي عاموس هوكشتاين، كذلك جرى توقيع اتفاقين منفصلين مع الولايات المتحدة، شهدت هذه المرة خمس جولات من المحادثات المباشرة في واشنطن، قادها سفيرا الدولتين، وشارك في بعضها أيضاً مسؤولون عسكريون من الجانبين، حيث جرى توقيع الاتفاق بصورة مباشرة وثنائية أمام وسائل الإعلام، في تعبيرٍ عن تحوّل جوهري في طبيعة العلاقات.
ومن حيث المضمون، تتضمن مذكرة التفاهم ثلاثة عناصر رئيسية تتوافق مع المواقف الأساسية لإسرائيل:
أولاً، تجسّد المذكرة، سواء في صيغتها، أو في طريقة إدارة المفاوضات، مبدأ الاعتراف المتبادل بسيادة الدولتين، وتعبّر عن التطلّع إلى الوصول، بعد استكمال العملية، إلى حالة من السلام، وهي مفردات غابت عن الخطاب اللبناني أكثر من أربعين عاماً. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في الظروف الراهنة، في ظل ما يُعتبر عزلة سياسية شديدة لإسرائيل، فضلاً عن تراجُع العلاقات مع دول المنطقة التي كانت تُعد في السابق شريكات محتملات لتوسيع دائرة السلام.
ثانياً، تنص المذكرة بشكل صريح على ضرورة نزع سلاح الميليشيات التي لا تخضع لسلطة الدولة اللبنانية، وهو ما يعكس أحد المبادئ الأساسية لسيادة أي دولة، والمتمثل في احتكارها استخدام القوة العسكرية. وعلى الرغم من أن حزب الله لا يُذكر بالاسم، فإن المقصود واضح، وهذا ينعكس أيضاً في تصريحات الرئيس جوزاف عون وكبار المسؤولين في حكومته؛ كذلك تشهد الساحة اللبنانية اليوم تصريحات علنية وجريئة، تنتقد الوضع الذي وجد فيه لبنان نفسه يتكبد خسائر فادحة في حربٍ لا تخصّه، بل تُخاض خدمةً لمصالح دولة أجنبية، هي إيران. ويرى كثيرون في لبنان أن المسؤولية تقع على حزب الله، على الرغم من توجيههم أيضاً انتقادات إلى إسرائيل بسبب حجم الدمار الذي لحِق بالجنوب اللبناني.
ثالثاً، إن آلية التنفيذ المرحلية التي تعتمدها المذكرة لا تقلّ أهميةً عن ذلك، إذ إن كل انسحاب للجيش الإسرائيلي من منطقة محددة، وفق الجدول المتفق عليه في الملحقات السرية، سيُعتبر اختباراً لقدرة الجيش اللبناني – تحت إشراف أميركي – على فرض سلطته فيها ومنع حزب الله من العودة إلى التمركز فيها. وشكّل هذا النهج التدريجي، القائم على اختبار تنفيذ الالتزامات، قبل تقديم تنازلات تتعلق بالسيطرة على الأرض، ركيزة أساسية في اتفاقات فصل القوات في سبعينيات القرن الماضي (وفق مفهوم «الخطوة في مقابل الخطوة» الذي ارتبط بهنري كيسنجر)، وكان من المفترض أن يشكل أساساً للمسار الأصلي لاتفاق أوسلو، قبل أن ينحرف عن مساره.
المصدر: معهد القدس للاستراتيجيا والأمن
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية






