من إعلام العدو: رئيس الشاباك الجديد حريدي متطرِّف ويعتبر الدولة «حمار المسيح»!
أوري مسغاف
إن الخطاب المُقلق الذي ألقاه دافيد زيني، والذي عرض فيه رؤيته بشأن مدى ملاءمته المنصب، وجودة متّخذي القرارات، وعمل المستشارين القانونيين، وسائر الأمور الجانبية، يُعد بمثابة خروج إلى العلن؛ حتى الآن، كان في الإمكان فقط جمع المؤشرات وربطها ببعضها؛ أمّا الآن، فأصبح هذا كله بصوته وشخصه، وفي السجل.
حتى قبل الخوض في المضمون، إن الخطاب مُقلق لأن زيني يظهر هنا غير ذكي؛ أولاً، لأن مجرد قراره الثرثرة بهذه الطريقة أمام الجمهور؛ ثانياً، بسبب مستوى النقاش والحجج الغريبة التي طرحها. لم نقع أرضاً من الدهشة، كما يقولون. وما يثير السخرية لدى هؤلاء المنتمين إلى التيار الديني القومي الصهيوني، من بتسلئيل سموتريتش، مروراً بعوفر فينتر، ووصولاً إلى زيني، هو الفجوة بين شعورهم المبالَغ فيه بأهميتهم الذاتية وغرورهم، وبين ما يخرج في النهاية من أفواههم. يبدو كأن هذه هي الطريقة المعتادة لإلقاء تعاليم التوراة من فوق المنابر في المدارس الدينية «عيلي» و«هار همور» وسائر مدارس هذا التيار الديني.
لكن الأمر ليس مضحكاً. فهناك نقص في المهنية لدى الشخص الذي يُفترض به أن يقود جهاز الاستخبارات الأهم والأكثر حساسيةً في إسرائيل. ومن الصعب تخيُّل أسلافه وهم يتحدثون بهذه الطريقة علناً: رونين بار، ونداف أرغمان، ويورام كوهين، ويوفال ديسكين، هل يمكن تصوُّر أي منهم في مثل هذا الموقف؟ هناك شيء في هذا لا يشبه رجال «الشاباك»، وليس من قبيل المصادفة أن زيني شعر بالارتياح لعرض رؤيته الفكرية أمام خريجي «أرغمان»- وهو أحد مراكز الأبحاث المحافظة على نهج «كوهيليت» وأمثاله، والذي يترأسه مؤسس حركة «إم ترتسو»، رونين شوفال.
بعد تسريب التصريحات الأولى، سارعت وحدة المتحدث باسم «الشاباك» إلى نشر أربعة مقاطع فيديو تتضمن أجزاء من الخطاب. وأفترض أن الفكرة جاءت من عالم إدارة الأزمات، وتقليص الخسائر، والحد من الأضرار. لكن هذه المقاطع لا تُظهر زيني بصورة جيدة إطلاقاً، بل عكس ذلك، فهي تكشف عن رؤية فكرية متماسكة: اسمها الحريدي- الصهيوني.
يؤمن التيار الحريدي- الصهيوني بأن الدولة ليست غاية في حدّ ذاتها، بل مجرد أداة؛ إنها «حمار المسيح»؛ لا قداسة فيها، إنما يجب فقط حُسن استخدامها في الطريق إلى الخلاص؛ أمّا العالم الليبرالي الديمقراطي فهو رجس، في نظرهم، وقيَمه باطلة. وغير اليهود، والعرب، والعلمانيون، واليساريون، ورجال القانون، وأفراد مجتمع الميم، هم أجناس أدنى؛ أمّا النساء، فمكانهن المطبخ والفراش والإنجاب. وشرف ابنة الملك أن تبقى في داخل بيتها، متواضعة، ومغطاة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، بطبيعة الحال.
زيني هو أبرز ممثل لهذا التيار وصل حتى الآن إلى أعلى درجات السلّم في إسرائيل. ومنذ تعيينه، كثير من أفعاله تفوح منها رائحة الحريدية- القومية: تفكيك زاوية الذكرى المخصصة لقتلى الجهاز وعائلاتهم في السابع من أكتوبر؛ وإلغاء فعاليات الفخر؛ والرسالة التي أرسلتها زوجته، بوقاحة، إلى زوجات وشريكات أفراد «الشاباك» (في حين أن النساء يشكلن اليوم نحو نصف القوة البشرية في الجهاز)؛ ومحاولة تبييض صورة الكهانية التي يمثلها باروخ مارزل؛ والقطيعة مع المستشارين القانونيين (الدولة العميقة). والأخطر من ذلك كله: تعطيل التحقيق ومكافحة الإرهاب اليهودي (للتذكير: أحد أبنائه الأحد عشر كان معروفاً لدى «الشاباك» بأنه ناشط من «شبيبة التلال» وخاضع لمتابعته). وهناك أيضاً، طبعاً، ولاؤه المتقد لمَن عيّنه، وليس للدولة. وهذا أيضاً كان من الخطوط التي برزت في الخطاب؛ فها هو، على سبيل المثال، الرأي القانوني الذي قدّمه لبنيامين نتنياهو، ومفاده بأن محاكمته يجب أن تتوقف طوال فترة الحرب. وهو الرأي القانوني الذي رفض رونين بار تقديمه، إلى أن أقيلَ من منصبه.
بعد شهرين على التعيين، كتب عكيفا نوفيك في هذه الصحيفة مقالاً تحت العنوان الساخر: «دافيد زيني لا يفي بالمطلوب، وثمة شك في أنه ينتهج خطاً مهنياً وموضوعياً. وادّعى نوفيك أن «الحملة الجامحة التي أديرَت بشأنه تضمنت توقعات ونبوءات وتصنيفات ألحقت به ظلماً.» واشتكى من «آلية الذئب... الذئب، واستُخدمت ضد زيني بهذه القوة.» حسناً، لم يكن ظلماً، ولا حملة جامحة، ولا قصة «الذئب... الذئب». إنه حريدي– قومي حتى النخاع، وحسبما تقول النكتة المستهلكة: لقد عيّنتم تابعاً متعصباً للحاخام تسفي تاو رئيساً لـ«الشاباك»، فماذا كنتم تتوقعون أن ينتج من ذلك؟ كولا؟
إذا أُلِّفت هنا حكومة مختلفة خلال هذا العام، فمن واجبها إقالة زيني؛ فهو مسياني جداً، حسبما شخّصه نتنياهو نفسه بدقة حينها، وهو خطِر جداً.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية






