شعب الرفض، وشعب الممانعة، بل شعب الإعتراض والمعارضة، بل شعب الثامن من آذار، هل تذكرونه، ذلك اليوم، الذي خرجنا فيه لنقول شكرا لبشار الأسد!
هذا كله، بتاريخه المتناسل والمتكرر هم شعب المقاومة، بل أهلها، بل جمهورها الذي سار ورائها في السرّاء والضرّاء. تحمّل الأعباء الجسام، وما كان ليحمّل نفسه ذلك، إلّا لتمسّكه وإيمانه بالتكليف الإلهي، وبهاتف من الإمام المهدي يلحّ عليه، فسار وراء المقاومة في السرّاء والضرّاء، رمى تاريخه كله خلفه: البعثي والشيوعي والإشتراكي والناصري والفتحاوي، توشح بعباءة الولي الفقيه، وإتكل على الله وعليها، ونزل إلى ساحة المقاومة مدججا، لإنقاذ الأطفال من حرمانهم التاريخي من «حليب الأطفال»، ولإنقاذ المحرومين والجوعى من براثن الجوع. ولتأمين الكساء والغذاء والكتاب المدرسي... ولإنقاذ البلاد من التعديات على الكرامة.
كيف لا يثأر لكرامته المهانة طوال تاريخه من الذلّ والعبودية في ظل الإقطاعية المزمنة، على وقع أقدام المقاومين الأبطال ورجال الدين الجدد الشرفاء، الذين يبشّرونه كل يوم بالتحرير وبالسيادة، ويعدونه، كلما مضى به قطار العمر، ميلا أو ميلين، أقلّه بليلة هادئة، بلا عصف ولا قصف ولا ترويع ولا تهديد ولا وعيد، وكذلك بلا خبر عاجل عن مذبحة... أو عن شهادة بمسيّرة على الطريق..
هؤلاء هم شعب، بل أهل الجنوب المقاوم للمحتل اليوم. هؤلاء شعب المقاومة، بل أهلها، والجنوب كله شعابها، وهم ما زالوا على إيمانهم بقول الشاعر أحمد شوقي:
وللحرية الحمراء باب/ بكل يد مضرجة يدق.
ولكن إلى متى، وقد عاد الإحتلال إلى الجنوب، وأنذر أهل المقاومة بالإجلاء والرحيل، إلى الزهراني اليوم. وغدا إلى ما بعد بعد الزهراني!
الشعب الجنوبي، أهل المقاومة: أعطى كل ما عنده، الإيمان والدماء والأبناء والمال والأرض وما بخل بشيء، حتى الإنذار الأخير إلى الزهراني. جعل المقاومة تتسيّد عليه، لأنه يريد الإحتفاظ لنفسه، بلقب المقاومة ومعناها لأجل تحرير أرضه، فلا يسمح ولا يأذن ولا يريد أن يتنازل عن هذا اللقب، لا أمس، ولا اليوم ولا حتى غدا.
هو أهل الإقدام، وهو الذي يقول لأبنائه صباح كل يوم: «ويك عنترة إقدم»، يحرّضهم لإرتداء أكفانهم تحت ثيابهم، كلما تخففوا بالسلاح. فإذا ما توفوا، توفوا في الساح، على الإيمان: بالسلاح وبالشهادة.
الشعب الجنوبي، أهل المقاومة الباسلة، إشترى بماله وبأبنائه وبأرواحه، وبأرضه، شرف المقاومة. وهو اليوم عنيد إلى أبعد حد. يرفض التنازل عن هذا الشرف، لأنه شرف المقاومة الحقة، الذي أورثه البطولة والرجولة. ولهذا وضع كل بيضه في «سلة المقاومة»، وسار خلفها في السرّاء والضرّاء، إلى الجبهة، وإلى الشهادة وإلى الخيمة، وإلى النزوح الجماعي، إفساحا في المجال لها، وإلى «الصبر الإستراتيجي»، على الخسارة المؤقتة، لا فرق عنده، إن عاش أو مات، ما دامت الغاية واحدة.
على المقاومة نفسها إذن، أن تعيد النظر في الوفاء لشعبها: أن تتألم لألمه، وتحزن لحزنه. وإذا رأت غبنا يلحق به، ترفع عنه غبنه، وتحميه في أرضه وتثبته فيها، ما دامت هي قادرة...
على المقاومة، أن تكون شفافة مع شعبها، أهل الوفاء للمقاومة. أن تقدّم له كشفا، بكل ما في يدها.
تكاشفه بالحقيقة، ولا تنتظر. فإذا ما تعرّضت لخديعة، وتراجعت قدراتها، فعليها أن تحتسبها، وتحسب حسابا، أمام هذا الشعب الذي آمن بها، وتكاشفه بالحقيقة ولو كانت مرّة: بأنها قادرة أو غير قادرة على حفظ الأمانة.
الشعب الجنوبي المقاوم، لا يريد غير الدارة والكرم والقرية، فإذا وهنت المقاومة في ذلك، أو خُدعت، فلتكاشفه، حتى لا يظل يراهن عليها، حصانا كب للذقن، إثر كبوة أو عثار أو عثرة.
فهو على إستعداد، ليبني على الشيء مقتضاه، وينتقل إلى فضاء آخر، فضاء المقاومة المدنية، فله معها مران مزمن.
فلماذا تقف حائلة بينه وبينها، وهي كل يوم، تراكم الخسارة فوق الخسارة، فيدفع أهل المقاومة الثمن الباهظ، بعد أن يصيروا خارج أرضهم، وخارج كرومهم وخارج قراهم، بل خارج الدارة!...
وهيهات أن يحسنوا من هناك المقاومة... فتخسر المقاومة أهلها في الشتات، حيث يصعب عليها المقاومة...
* أستاذ في الجامعة اللبنانية