لم يعد الفكاك بين إيران والمقاومة قابلا للتفاوض، ولم يعد سلاح المقاومة قابلا للتفاوض، ولم تعد المقاومة في الجنوب وفي جميع المناطق اللبنانية قابلة للتفاوض.
أوجز رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ذلك، بطريقة مختلفة، حين صرح فقال: «إن المقاومة صارت في كل لبنان، وعلى الدولة اللبنانية أن تتحمّل المسؤولية. وإذا لم تفعل، فإننا نحن سنفعل».
وفي اليوم التالي، ظهيرة الأربعاء الأسود 8/4/2026، أغارت مائة طائرة له في طلعة واحدة على بيروت، عاصمة الدولة اللبنانية، لتأديبها. فكان يوما مشهودا، عجزت عنه برلين في سماء لندن، أو في سماء باريس، ولندن أو باريس في سماء برلين، زمن الحرب العالمية الثانية...
وفي اليوم التالي، ملأ نتنياهو الشاشات بصورة جبار عنيد، وهو يذيع ضربته التاريخية غير المسبوقة على بيروت، بل على كل لبنان، معتبرا إياها مماثلة لضربة البايجر التاريخية، والتي أجبرت الدولة اللبنانية على التوقيع معه، على «وقف الأعمال العدائية». وكأنه يقول للدولة اللبنانية: «ما أشبه اليوم بالبارحة».
ثم يكمل فيقول في نفسه:
«وإن غدا لناظره قريب».
حقيقة، باتت الدولة اللبنانية بجميع مكوناتها، في موقف لا تحسد عليه: ذهبت إيران لوقف النار، وذهبت أيضا للتفاوض. وأما لبنان، فقد ظل يتلمظ الجمر، والنيران لا تهدأ عليه، من فوق ومن تحت: من البر ومن البحر. وهو في مثل هذه الحال، إنما يحتاج إلى حراك عالمي، لوقف الهجوم عليه، وقد أخذ الإسرائيليون بالزحف عليه، وباتت المقاومة معهم وجها لوجه، بل على مسافة صفر، يعملون طاقتهم وجهدهم: يعرقلون الآليات المعادية، لا يستطيعون دفعها: عن إحتلال القرى والبلدات والتلال، وتراهم يجهرون، بل «يبشّرون» بهدم المدن والقرى المطلة شمال نهر الليطاني (عليهم). وهذا إنذار خطير للدولة اللبنانية، بأنها على قاب قوسين أو أدنى من خسارة جنوب الليطاني بالكلية.
ذهبت إيران إلى التفاوض، وذهبت المقاومة إلى سلاحها الأبيض، وبما تبقّى لها من الصواريخ المحلية الصنع، تحاول منع الإسرائيليين عن النوم، جنوب الليطاني. وهذا يشي بأن إيران تجاوزت مسألة جنوب الليطاني، وتركتها للمفاوضات أم للمقايضات، على حدة.
أما الدولة اللبنانية فلا حول لها ولا قوة، إلّا بالتهاتف عن بُعد بين السفيرين. دون أن تسمح لنفسها، أو يسمح لها، أن ترفع صوتها، ما دامت أنها تسحب معداتها من الساحة، وتلمّ شهداء التضحية من جنبات السراي الحكومي، تحت وطأة الضربات المنذرة. وحين أوعزت بلقاء الدولة إلى الدولة (جسّا للنبض): كان أن نزلت الأفواج للمشاغبة... تنذر رئيس الحكومة نواف سلام، بالويل والثبور وعظائم الأمور.
وتحيد: عين التينة وبعبدا.
إن قال لبنان نعم أو قال كلا، فإن الجنوب اللبناني، صار بين إسرائيل وإيران، مباشرة أو غير مباشرة، فلا أمل للعودة إلى الخط الأزرق..
ولا إلى هدنة 1948..
ولا إلى الميثاق الوطني..
باتت الميثاقية في خبر كان، بعد تلقّيها الضربة القاضية.
فلا إجماعا لبنانيا على حل الإشتباك فوق الجنوب اللبناني، قبل أن نطالب بالإجماع الدولي. وأما الإجماع العربي، يحتاج اليوم إلى الشفقة.. أم يثير الشفقة؟... لا فرق!
إيران في المفاوضات وخارج المفاوضات، هي كلمة واحدة: باقية في لبنان.. باقية باقية...
وإسرائيل، غير معنية بها، لأنها تطالب الدولة بسلاح المقاومة... ولا تطلب منها سلاح المقاومة... على نموذج حماس في غزة...
عاد لبنان إذن إلى المربع الأول:
إيران ودعم المقاومة إلى الواجهة طيلة السنوات القادمة.
وليس قديما جدا، حين خرج الممثل والمخرج اللبناني الكبير رئيف كرم، صاحب العاشورائيات في أسواق النبطية المنكوبة، لينادي ويقول في الأسواق اللبنانية على الملأ:
«إن قلت إيه..
وإن قلت لأ..
خدها على محمل الجد...».
* أستاذ في الجامعة اللبنانية