يشكل الإعلان المفاجئ للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف إطلاق النار في لبنان تطوراً بالغ الأهمية، ليس فقط لأنه أوقف مؤقتاً دوامة العنف المتصاعدة على جانبي الحدود، بل لأنه فتح نافذة سياسية نادرة أمام اللبنانيين لإعادة ترتيب أولوياتهم الوطنية، والانطلاق نحو مقاربة مختلفة للأزمة، تقوم على الحلول الدبلوماسية، بدلاً من منطق الاستنزاف العسكري المتبادل، ونتائجه الكارثية على البنية الإجتماعية اللبنانية.
ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية لكونه جاء عشية الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، ما يمنح هذه المحادثات زخماً جديداً، وفرصة حقيقية لتحقيق تقدم ملموس في الملفات العالقة. فالتجارب السابقة أثبتت أن الحروب، مهما بلغت شدتها، لا تستطيع وحدها فرض تسويات دائمة، أو معالجة جذور النزاعات. وقد أظهرت الأشهر الماضية أن التصعيد العسكري الإسرائيلي، رغم ما خلّفه من دمار واسع وعمليات تهجير وتجريف غير مسبوقة في الجنوب اللبناني، لم ينجح في إنتاج واقع سياسي جديد، ولم يستطع إبعاد القصف عن المستوطنات الشمالية، كما أن استمرار المواجهة المدمرة فاقمت الأزمات الإقتصادية والاجتماعية المتراكمة في لبنان.
من هذه الزاوية، يمكن اعتبار وقف إطلاق النار أول ثمرة سياسية لمبادرة المفاوضات المباشرة التي أطلقها الرئيس جوزاف عون، وتولت الحكومة اللبنانية مسؤولية متابعتها رغم الاعتراضات والاتهامات التي واجهتها من قبل حزب الله وبعض حلفائه. كما أن تعهد الرئيس نبيه بري، من موقعه في الثنائي الشيعي، بضمان التزام حزب الله بوقف النار شكل عاملاً محورياً في التوصل إلى وقف إطلاق النار، بصرف النظر عن الأسباب التي دفعت الحزب إلى تعديل موقفه، سواء كانت مرتبطة بحسابات داخلية، أو بالرغبة في تجنب جولة جديدة من الدمار الذي قد يطال بيئته الحاضنة ومؤسساته المختلفة في الضاحية الجنوبية لبيروت.
غير أن أهمية وقف النار لا تقتصر على البُعد الأمني فحسب، بل تتعداه إلى البُعد الوطني الداخلي. فلبنان، الذي أنهكته الحروب والانقسامات والأزمات الاقتصادية، يحتاج اليوم إلى فترة من الاستقرار تسمح له بالتقاط أنفاسه، وإعادة بناء ما تهدم، مادياً وسياسياً ومعنوياً. كما يحتاج إلى مناخ هادئ يفسح المجال أمام معالجات جدّية لمختلف القضايا الخلافية التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
وفي مقدمة هذه القضايا يأتي ملف حصرية السلاح بيد الدولة، الذي بات يشكل أحد الشروط الأساسية لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية بلبنان. وإذا كانت الظروف الحالية لا تسمح بانتقال فوري إلى حلول نهائية، فإن البحث عن مقاربات مرحلية قد يكون أكثر واقعية. ومن هنا تبرز أهمية الطرح المصري السابق القائم على مبدأ "الاحتواء"، أي تجميد استخدام سلاح حزب الله ووضعه خارج التجاذبات الداخلية والإقليمية كمرحلة انتقالية، تمهيداً للوصول إلى صيغة وطنية متوافق عليها تعزز سلطة الدولة وتضمن الاستقرار.
إن نجاح وقف إطلاق النار في الصمود خلال الأيام والأسابيع المقبلة سيمنح لبنان فرصة ثمينة قد لا تتكرر قريباً. وهي فرصة تستوجب من جميع الأطراف، وخاصة الحزب، التعامل معها بمسؤولية وطنية عالية، لأن البديل عن الحوار والتسويات ليس سوى العودة إلى دائرة المواجهة المدمرة.
ولكن، ماذا عن بند"حرية الحركة" للإحتلال الإسرائيلي الذي نسف كل إتفاقيات وقف النار السابقة، ويبقى هو المحك والتحدي الأبرز لجدّية القرار الحالي؟