بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 حزيران 2026 12:00ص الفئات النقدية الجديدة في لبنان: بين التكيّف النقدي وفقدان الثقة... قراءة في أبعادها الاقتصادية والنقدية

وليد أبو سليمان وليد أبو سليمان
حجم الخط
نوال أبو حيدر

مع استمرار الأزمة الاقتصادية والمالية التي يشهدها لبنان منذ سنوات، وما رافقها من تدهور حادّ في قيمة الليرة اللبنانية وارتفاع غير مسبوق في معدلات التضخم، عاد إلى الواجهة النقاش حول مستقبل العملة الوطنية ومدى قدرتها على مواكبة التحوّلات الاقتصادية الراهنة. فبعد أن كانت ورقة المئة ألف ليرة تُعدّ من الفئات النقدية المرتفعة القيمة عند إصدارها، باتت اليوم غير كافية لتغطية العديد من النفقات اليومية الأساسية، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
هذا الواقع فرض تحديات عملية على حركة التداول النقدي في الأسواق، إذ أصبح المواطنون والتجار والمؤسسات مضطرين إلى استخدام كميات كبيرة من الأوراق النقدية لإتمام عمليات بيع وشراء عادية، ما زاد من الأعباء اللوجستية المرتبطة بالنقل والتخزين والعدّ، فضلا عن ارتفاع كلفة إدارة السيولة النقدية. ومن هنا برزت الدعوات إلى تحديث هيكل الفئات النقدية المتداولة بما يتلاءم مع المتغيّرات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، أقرّ مجلس النواب في عام 2025 قانونا يجيز إصدار فئات نقدية جديدة ذات قيمة أعلى. إلّا أن هذه الخطوة، رغم ما تحمله من فوائد تقنية وإجرائية، أثارت في المقابل نقاشا واسعا بين الخبراء الاقتصاديين والماليين. فبينما يعتبر البعض أن إصدار فئات نقدية أكبر يشكّل استجابة طبيعية لواقع التضخم القائم ولا يحمل بحد ذاته أي آثار سلبية مباشرة على الاقتصاد، يرى آخرون أن اللجوء إلى هذه الفئات يعكس حجم التراجع الذي أصاب العملة الوطنية، وقد يرسخ لدى المواطنين شعورا بفقدان الثقة بالليرة إذا لم يترافق مع إصلاحات مالية واقتصادية شاملة تعالج الأسباب الحقيقية للأزمة.
وفي ظل هذا الجدل، تبرز تساؤلات أساسية حول مدى حاجة السوق اللبنانية فعليا إلى هذه الفئات الجديدة، وتأثيرها المحتمل على حركة التداول النقدي، وانعكاساتها على معدلات التضخم والثقة بالعملة الوطنية، إضافة إلى ما إذا كانت تمهّد مستقبلا لخطوات أخرى مثل إعادة هيكلة العملة أو حذف أصفار منها، كما حصل في عدد من الدول التي واجهت أزمات نقدية مماثلة.

فئات أكبر... ضرورة لا خيار 

من هذا المنطلق، يقول الخبير المالي والاقتصادي الدكتور وليد أبو سليمان، لصحيفة «اللواء» إن «السبب المباشر الذي دفع الى طرح فكرة إصدار فئات نقدية جديدة، هو التآكل الكبير في القدرة الشرائية لليرة اللبنانية منذ بداية الأزمة، ما جعل الفئة الأكبر المتداولة حاليا غير كافية لتلبية حاجات الدفع اليومية. عمليا، أصبحت مبالغ عادية في الاستهلاك أو الرواتب أو المعاملات التجارية تتطلب رُزما كبيرة من الأوراق النقدية، بما يرفع كلفة العدّ والنقل والتخزين والمناولة على الأفراد والتجار والمصارف ومؤسسات الدولة. من هنا، يأتي طرح الفئات الأكبر كاستجابة لواقع نقدي قائم، وليس كخيار نقدي توسّعي بحد ذاته، شرط ألا يقترن بزيادة غير مبرّرة في الكتلة النقدية».

حلّ إداري لا اقتصادي!

وعن إذا كان إصدار فئات نقدية أكبر يعتبر قرارا تقنيا لتسهيل التعاملات اليومية أم أنه يعكس تفاقم أزمة الليرة اللبنانية، يوضح أبو سليمان أن «هو الأمران معا، لكن بوزنين مختلفين. من الناحية العملية، هو إجراء تقني يهدف إلى تسهيل التداول النقدي وتقليص كلفة استخدام الكاش في اقتصاد بات يعتمد بدرجة مرتفعة على المدفوعات النقدية. لكن من الناحية الرمزية والاقتصادية، لا يمكن فصله عن انهيار قيمة العملة خلال السنوات الماضية. الفئة النقدية الأكبر لا تخلق الأزمة، لكنها تكشف حجمها. فهي أشبه بتكيّف إداري مع تراجع القيمة الاسمية لليرة، لا بعلاج لأسباب التدهور النقدي».

لا تضخم تلقائياً... لكن

وعن التأثير المتوقع لهذه الخطوة على معدلات التضخم وعلى ثقة المواطنين بالعملة الوطنية، يعتبر أبو سليمان أن «إصدار فئات أكبر لا يؤدي تلقائيا إلى تضخم إضافي إذا كان مجرد استبدال لفئات صغيرة بفئات أكبر ضمن الكتلة النقدية نفسها. التضخم ينتج أساسا من توسّع الكتلة النقدية، ومن تدهور سعر الصرف، ومن اختلالات المالية العامة، ومن ضعف الثقة. أما إذا فُهمت الخطوة كتمهيد لطباعة نقدية إضافية لتمويل الإنفاق أو العجز، فقد تترك أثرا سلبيا على التوقعات وعلى سلوك الأسعار».
 ويتابع: «بالنسبة إلى الثقة، التأثير نفسي أكثر منه محاسبي: المواطن قد يقرأ الفئات المليونية كدليل إضافي على فقدان الليرة جزءا كبيرا من وظيفتها كوحدة قياس للقيمة، خصوصا إذا لم تترافق الخطوة مع خطاب نقدي واضح وخطة إصلاحية مقنعة».

لا استقرار بلا إصلاح

وفي سياق متصل، وعن إمكانية وجود تجارب دولية مشابهة لإصدار فئات نقدية كبيرة في ظل أزمات اقتصادية، تماما كما يحصل في لبنان، فيؤكد أبو سليمان أنه «هناك تجارب عديدة، أبرزها زيمبابوي وفنزويلا، حيث أدّى التضخم المفرط إلى إصدار فئات ضخمة سرعان ما فقدت معناها الاقتصادي لأن أصل المشكلة بقي قائما. في المقابل، تظهر تجربة تركيا في حذف الأصفار عام 2005 أن الإصلاح النقدي يمكن أن ينجح عندما يأتي بعد ضبط التضخم، وتحسين الانضباط المالي، واستعادة قدر من الثقة بالسياسة النقدية».
ويضيف: «الدرس الأساسي للبنان هو أن شكل الورقة النقدية أو قيمتها الاسمية لا يصنع الاستقرار. الاستقرار يتطلب وقف التمويل النقدي للعجز، توحيد سعر الصرف، إعادة هيكلة القطاع المصرفي، معالجة الخسائر المالية، وتعزيز استقلالية مصرف لبنان وشفافيته».

قرار نقدي أم وهم إصلاحي؟ 

وفي ختام حديثه، يقول أبو سليمان: «من الناحية التقنية، قد يكون إصدار فئات كبيرة مرحلة انتقالية إذا استمر التعامل بأرقام مرتفعة في الأسعار والأجور والحسابات. لكن حذف الأصفار ليس قرارا تجميليا يتخذ لعلاج الانطباع العام، بل يجب أن يكون نتيجة لاستقرار تحقق مسبقا. أي إعادة هيكلة للعملة قبل تثبيت سعر الصرف، وضبط التضخم، ومعالجة الأزمة المصرفية والمالية، ستبقى خطوة شكلية وقد تفقد صدقيتها سريعا. لذلك، يمكن بحث حذف الأصفار مستقبلا، لكن فقط ضمن برنامج نقدي ومالي متكامل، وبعد استعادة حدّ أدنى من الاستقرار في سعر الصرف، وضبط التضخم، وإعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي وبالسياسة النقدية».