سقطت قلعة الشقيف بيد العدو الإسرائيلي وارتفع بيرقه على أسوارها. المشهدية مؤلمة ومذلة والاحتلال المتجدد يستشعر معه كل لبناني بالمهانة مهما حاول متسلقي المنابر ومروجي البطولات والتضحيات الوهمية التخفيف من وطأتها.قد لا يعني سقوط قلعة الشقيف للحرس الثوري الإيراني الذي يضع لبنان ومواطنيه في خدمة الولي الفقيه أكثر من خسارة موقع على البحر المتوسط يتم تعويضه في سواحل عدن أو عمان أو في أي مكان آخر تمتد اليه الحدود الإيديولوجية للجمهورية الاسلامية، لكن حزب الله لا يقوى على استيعاب أو تسويق ما حصل على أنه مجرد خسارة عابرة.
يفوق وقع سقوط قلعة الشقيف على حزب الله وقع تفجير اجهزة البايجر أو اغتيال أمينه العام الأسبق حسن نصرالله. وإذا كان الحزب قد عزا نجاح التفجير وحادثة الإغتيال للتفوق التكنولوجي والإستخباراتي الإسرائيلي، فإن تجاوز القوات الإسرائيلية لمقطع نهر الليطاني واحتلال القلعة لا يمكن إدراجه إلا في خانة تأكيد سقوط الحدود الجغرافية المتعارف عليها لبقعة الإشتباك وانتقال المعركة إلى شمال النهر بعد سقوط مدينة الخيام ومدينة بنت جبيل،التي يبنى عليهما حزب الله استراتيجية الإشتباك المحدود مع إسرائيل في جنوب الليطاني.
يعبّر قرار نقل المعركة إلى شمال الليطاني عن دلالتين أساسيتين. الأولى هي تأكيد واشنطن بالنار على فصل الإشتباك مع حزب الله في الجنوب عن مجريات التفاوض مع طهران، أما الثانية فهي في ربط هذا الإشتباك لجهة العمق والأهداف بمسار دبلوماسيبين لبنان وإسرائيل ترعاه واشنطنبما يحوّل التطورات العسكرية إلى أدوات ضغط في خدمة أهداف سياسية محددة.
في هذا السياق فإن المفاوضات المباشرة لا تعني سوى إخراج إيران من دائرة التأثير المباشر بالرغم من حيازتها على قرار حزب الله ووضع هذا الصراع في إطاره الأقليمي. وبهذا يصبح توقيت اجتياز الليطاني واحتلال قلعة الشقيف أحد التداعيات المباشرة لفشل المسار الأمني بين الفريقين العسكريين اللبناني والإسرائيلي في البنتاغون بما يتصل بدور الجيش في نزع سلاح الحزب، كما يندرج التصعيد المرتقب والتهديد بقصف الضاحية ضمن السياق عينه.
يؤكد الإنتقال من إسقاط القلعة الى التهديد بقصف الضاحية وجود إنقطاع جغرافي وديموغرافي بين قواعد نفوذ حزب الله، حيث تعبّر المناطق الوسيطة عن خصوصيات سياسية وغير سياسية أبقتها خارج سيطرة الحزب وحالت دون إقامة بنى تحتية عسكرية وإقتصادية مرتبطة به.لذلك اقتضى استكمال العمليات العسكرية الإنتقال إلى تهديد مركز القرار الرئيس، وفي ذلك أكثر من رسالة أميركية وجهت إلى الحرس الثوري قبل حزب الله.
بعد سقوط القلعة أضحى كل ما سبقها ينتمي إلى ماضٍ سحيق. إنتقل الجميع إلى موقع التفاوض المباشر بعد حركة النزوح الكثيفة التي شهدتها الضاحية وفي مقدمتهم الرئيس بري الذي آثر التخلي عن تجاهله للمسار الأمني وعن أوراق القوة التي يجب امتلاكها قبل الذهاب الى التفاوض وعن الوسطاء المفترضين. لقد قدمت زحمة الإتصالات التي أجريت بالولايات المتحدة عبر مرجعيات عربية خليجية ومصرية وأوروبية لمنع إسرائيل من تنفيذ تهديدها أكثر من دليل على الحراجة التي بلغها الموقف الميداني وخطورة ما سيفضي اليه تنفيذ التهديد من تداعيات. ويبقى في ما أعلنه الرئيس ترامب عن اتصالٍ مثمرٍ للغاية مع حزب الله عبر ممثلين وفي الإتفاق على وقف جميع عمليات إطلاق النار وفي التأكيد على عدم تلقيه أي اتصال من إيران بتعليق المحادثات أكثر من درسٍ مستفاد.
بعد سقوط القلعة يبدو أن الجميع قد انصاع لخيار التفاوض من قبيل مواجهة الموقف وتحمل المسؤولية. لم تخلُ مواقف الدول المتدخلة التي أكدت على استنكار الإعتداءات الإسرائيلية من التأكيد على إلزامية التخلص من سلاح حزب الله كشرط لتحقيق الإستقرار، وهذا ما يضع لبنان أمام اختبار استعادة ثقة المجتمع الدولي بقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها. وقد يكون في إعلان رئيس الجمهورية جوزاف عون بالأمس عدم التراجع عن خيار المفاوضات بالرغم من العراقيل وفي تبرير وجود السلاح في جنوب الليطاني بالصعوبات الجغرافية أكثر من إعتراف بأن ما تم تنفيذه لم يرقَ إلى المستوى المطلوب. وفي هذا الإطار يلاقي كلام عون ما صدر عن مصدر أميركي إن «لبنان قادر على حماية بيروت والضاحية إذا تحرّك جديًا ..... وأنَ الدولة تتحمّل مسؤولية التراخي معه».
في سقوط القلعة أكثر من رسالة ميدانية وسياسية فرضتها آلة الحرب الإسرائيلية والإيرانية، لكن في ما سبقها بإعلان عدد من مواطني مدينتيّ النبطية صور ومحيطهما مناطق آمنة ومفتوحة وخالية من كل ما يعرّض أهلها للخطر السلاح ، تحت رعاية الدولة اللبنانية وسلطتها الشرعية، وقبلهما بأكثر من شهر مبادرة شبيهة لبيروت خالية من السلاح، أكثر من رسالة في أكثر من اتّجاه لا تقلّ أهمية عن سقوط القلعة.
فهل يتحوّل سقوط القلعة إلى قيامة لبنان....
* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات