بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 حزيران 2026 12:15ص بعدما استدرجته لحرب إبادة.. إيران "تبيع" حزب الله ولبنان في سوق التفاوض الأميركي

حجم الخط
لم يعد المشهد المستعرّ في جنوب لبنان مجرد جولة تقليدية من جولات المواجهة العسكرية المعتادة بين ترسانتين، بل تحوّل إلى تعبير فجّ وعارٍ وصادم عن أدق التوازنات السياسية والنفسية التي تحكم الإقليم وتصوغ معادلات القوى فيه. ومع تسارع وتيرة التوغل البري الإسرائيلي وانتقاله إلى مراحل أكثر عدوانية وقضمًا للجغرافيا، يتكشف الميدان اللبناني عن حقيقتين متلازمتين لا تقبلان الفصل: تدمير ممنهج للقرى والبلدات الجنوبية يُستثمر إقليمياً من قِبَل طهران كأوراق تفاوضية باردة على الطاولات الدولية، وفجوة نفسية وسياسية سحيقة تفصل بين قيادة حزب الله الغارقة في أوهام الشعارات الخشبية وواقع ميداني ينضح بمرارة الخذلان والانكسار بعد أن تخلّت طهران عن حليفها الأبرز وتركته وحيداً يواجه مصيره المأساوي تحت وطأة النار وعزلة الميدان.

• سياق الحرب والأرقام الحقيقية

قبل الخوض في التحليل، ثمة أرقام وحقائق ميدانية لا يمكن تجاوزها لفهم عمق الكارثة التي يعيشها لبنان وحزب الله. منذ اندلاع حرب لبنان في اذار 2026، شهدت المواجهات تصعيداً حادّاً أسفر بحلول منتصف أبريل عن مقتل أكثر من ألفَي شخص في لبنان، ونزوح ما يزيد على مليون لبناني عن منازلهم. وتكشف إحصاءات الضحايا الموثّقة أن لبنان وحده سجّل نحو 2586 حالة وفاة وأكثر من 8020 مصاباً، وذلك في سياق حرب إقليمية شاملة طالت ضحاياها دولاً من إيران إلى العراق والإمارات.
ولا يمكن فهم هذه الأرقام بمعزل عن السياق الاستراتيجي الأشمل؛ إذ رصدت الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز بحثية بارزة كمركز بيلفر للشؤون الدولية انهياراً متسارعاً في نموذج الوكالة الإيراني، مشيرةً إلى أن الضربات الإسرائيلية تصاعدت لتبلغ 600 ضربة في 2025 استهدفت مواقع مرتبطة بإيران وحزب الله في سوريا، في مسعى لإجهاض أي محاولة لإعادة تنظيم صفوف هذه الميليشيات. ويكشف هذا التصعيد الممنهج أننا أمام حرب إنهاك استراتيجي مدروسة، لا مجرد ردود فعل عسكرية آنية.

• استراتيجية «قضم التلال» وخطورة الاندفاعة الإسرائيلية

تجاوزت العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة البُعد التكتيكي والأهداف الأمنية الموضعية لتصيب الوجدان العام والعمق العسكري الدفاعي في الصميم، كاشفةً عن تحول جذري في أهداف الحرب الجغرافية.
- الشقيف والسلوقي.. عقد التحكم والخنق العسكري: من الناحية العسكرية الصرفة، لا تمثّل «قلعة الشقيف» مجرد معلم تاريخي، بل هي أعلى نقطة رصد وتحكم تشرف مباشرة على مجرى نهر الليطاني وقضاء النبطية وسهل مرجعيون. السيطرة على القلعة والتمدد المتزامن نحو عمق وادي السلوقي يمنحان الجيش الإسرائيلي إشرافاً نارياً واستخباراتياً مطلقاً يشلّ خطوط الإمداد العرضية، ويحيل معركة الدفاع إلى جيوب معزولة تقاتل بلا أمل في النجدة.
وقد ترجم ذلك ميدانياً بصورة دموية؛ ففي الثامن من نيسان 2026، وبُعيد إعلان الهدنة مع إيران مباشرة، شنّ الجيش الإسرائيلي ما وصفه بـ«أعنف هجماته» على لبنان، أودت بحياة 357 شخصاً على الأقل وأصابت 1223 آخرين. وما يثير الانتباه هو التوقيت الدقيق: الهدنة مع طهران أعطت الضوء الأخضر لتصعيد غير مسبوق على لبنان، مما يكشف عن تنسيق ضمني بين الجانبين الأميركي والإسرائيلي على عزل الملف اللبناني وحسمه بعيداً عن أي غطاء إيراني.
وعلى صعيد المواجهات البرية، شهدت معركة بنت جبيل تحشيداً عسكرياً إسرائيلياً ضخماً شمل لواء «غولاني» ولواء المظليين 35 ولواء «جيفاتي» والفرقة 98، في مواجهة حامية محلية من حزب الله تضمنت عناصر من قوة الرضوان الاختصاصية. هذه المعطيات تؤكد أن إسرائيل تخوض عملياً معركة السيطرة الأرضية الشاملة على الجنوب، لا مجرد عمليات نقطية محدودة.
- مخاوف «الشهية المفتوحة» للاحتلال: النجاح الإسرائيلي في السيطرة على التلال الحاكمة والرموز الاستراتيجية يولّد «اندفاعية عسكرية غير منضبطة» لدى قيادة الاحتلال لقضم المزيد من الأراضي. مع انهيار توازنات الردع التقليدية وانكفاء الحليف الإقليمي، باتت الأراضي اللبنانية مهددة باحتلال مساحات أعمق وأوسع يتجاوز حدود «الحزام العازل» المؤقت ليتحوّل إلى فرض أمر واقع جغرافي طويل الأمد.

• أروقة البنتاغون.. البيع المباشر في سوق التفاوض

خلف غبار المعارك وأنين الضحايا وركام البلدات الممسوحة عن الخارطة، لم يعد الحديث عن «سوق التفاوض الأميركي» مجرد استنتاج سياسي، بل تُرجم بشكل ملموس وعملي في أروقة واشنطن الدبلوماسية والعسكرية.
- طاولة التفاوض بمعزل عن الحزب: تكشف التقارير الدبلوماسية أن الهدنة الإيرانية - الأميركية لم تشمل لبنان أصلاً، إذ جرى إبرام وقف إطلاق نار لبناني منفصل بوساطة أميركية تعمّدت بموجبه الأطراف المعنية إبقاء الملف اللبناني بمنأى تام عن الملف الإيراني. بعبارة أوضح: طاولة التفاوض الكبرى التي رسمت خرائط المنطقة وحددت توازنات النفوذ انعقدت دون أي تمثيل لحزب الله، الذي تحوّل من «لاعب جالس على الطاولة» إلى «موضوع غائب يُناقَش ويُفكَك» في الحسابات الدولية.
- الاستثمار الإيراني في الرماد اللبناني: يرى محللون أن إيران تخرج من هذه المعادلة رابحةً إذ تستعيد الوضع الراهن قبل الحرب دون أي تنازلات مسبقة، مقابل إبداء استعداد للتفاوض على ملفها النووي وفتح مضيق هرمز. ومن المفارقات المؤلمة أن هذا «الربح الإيراني» جاء مموَّلاً بأثمان باهظة دفعها لبنان وحزب الله من دمائهما وجغرافيتهما، لا من الرصيد الاستراتيجي الإيراني. ويزيد حدة المشهد أن الاتفاق الإطاري المطروح يبدأ بفترة تفاوض مدتها ستون يوماً لمعالجة الملف النووي الإيراني، بما فيه مصير مخزون اليورانيوم شديد التخصيب، فيما تظل القضايا الأكثر تعقيداً معلّقة للمفاوضات اللاحقة.
- تضارب الإشارات وفضح التوظيف: كشفت التصريحات الإيرانية الرسمية عن ازدواجية صارخة؛ إذ هدّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بانهيار وقف إطلاق النار بسبب استمرار الضربات على لبنان، قائلاً إن «الولايات المتحدة لا تستطيع أن تمتلك الأمرين معاً: الهدنة والحرب عبر إسرائيل». لكن هذه التصريحات النارية كانت في جوهرها ورقة ضغط تفاوضية لانتزاع تنازلات في الملف النووي، لا التزاماً حقيقياً بالدفاع عن الحليف اللبناني.

• تآكل نموذج الوكالة الإيرانية وانكشاف الاستراتيجية

يكشف هذا التحليل عن حقيقة أعمق تتجاوز الحدث اللبناني المعزول؛ وهي أن النموذج الذي بنته إيران لعقود في ما يعرف بـ«محور المقاومة» يمرّ بمرحلة تحلّل هيكلي بنيوي غير مسبوقة. فبعد هزيمة حزب الله العسكرية في 2024 وسقوط نظام الأسد في سوريا، تمكّن لبنان لأول مرة منذ عقود من انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة في كانون الثاني 2025، في مشهد يعكس كيف أن ضعف حزب الله أفضى إلى تمكين الدولة اللبنانية بدلاً من تعزيز قوة الحزب.
والمفارقة التاريخية الكبرى أن الحرب التي شنّها حزب الله بوصفها «إسناداً» لغزة قادت عملياً إلى تفكيك قدراته بالتسارع الذي كانت إسرائيل عاجزة عن تحقيقه في سنوات من المواجهة الباردة. ومن اللافت أن نظام التفاوض الراهن يشمل مسألة نزع سلاح حزب الله كهدف محوري تسعى إليه كل من إسرائيل والجيش اللبناني، وذلك في ضوء مطالبة الرئيس ترامب بوصفه شرطاً لأي اتفاق إقليمي.
- عقيدة «الدفاع الأمامي» وحماية الرأس: الوثائق الاستراتيجية الإيرانية تؤكد أن العقيدة الأمنية لطهران قائمة أصلاً على توظيف التنظيمات الحليفة كحوائط صد لنقل التهديد بعيداً عن الداخل الإيراني ومنشآته الحيوية. وفقاً لهذه العقيدة، كانت خسائر الجنوب اللبناني وحزب الله استثماراً مقبولاً بالمقاييس الإيرانية ما دامت تُبقي الصراع بعيداً عن الأراضي الإيرانية وهو ما أُثبت بجلاء عندما انخرطت طهران في مفاوضات مع واشنطن بعيداً عن ساحات «حلفائها».

• انفصال المواقف عن الواقع: العيش في عالم الوهم

في مقابل هذا التخلّي الإقليمي البارد والتقدّم الإسرائيلي المستند إلى التفوّق الاستخباراتي والتكنولوجي المطبق، يبرز سلوك غريب في الخطاب السياسي والإعلامي لحزب الله يتّسم بالانفصال التام عن مجريات الأرض والإنكار المعرفي الصارخ لوقائع الميدان.
- شعارات خشبية وسط الركام: في خضم العمليات العسكرية الإسرائيلية المتصاعدة، أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أن الحزب «لن يغادر ميدان الشرف والمقاومة» وأكد عزمه المضيّ في المواجهة، فيما وصف الحزب ضرباته بأنها «دفاعية» في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتواصل. وهو خطاب يستحضر حرفياً مصطلحات معارك منتهية في حين تتساقط الحواضر التاريخية والجغرافية الحاكمة تحت النار.
- أزمة المصداقية وسقوط البروباغندا: هذا التباين الحادّ بين خطاب الانتصار وواقع الانكسار خلق فجوة ثقة سحيقة بين الجمهور ومستويات القرار. الجمهور الذي يرى أرضه تُباد وعاصمته تُستهدف بمسيرات غادرة دون إنذار لم يعد قادراً على تلمّس أي رصيد عملي لشعارات الردع التي تبيّن أنها تبخّرت عند أول مواجهة وجودية حقيقية.

• عزل الميدان وإدارة الاستنزاف بعقيدة إيرانية باردة

على الصعيد العملياتي البحت، يواجه المقاتلون في الخطوط الأمامية حصاراً نارياً ولوجستياً صارماً يفرضه نجاح استراتيجية عزل الميدان التي اعتمدتها القوات الإسرائيلية بتواطؤ عملي 

• سقطت الأيديولوجيا وبقيت الجغرافيا

بين علم إسرائيلي يرفرف فوق أسوار قلعة الشقيف وأودية الجنوب، واندفاعة عسكرية مفتوحة الشهية لاحتلال مساحات أوسع، وطهران التي تُلحّ على أن أي اتفاق يجب أن يشمل وقفاً للعمليات الإسرائيلية في لبنان دون أن تُقدّم هي ثمناً فعلياً لتحقيق ذلك تتكشف حقائق السياسة الإقليمية العارية من أي طابع أيديولوجي أو أخلاقي.
لقد استبدلت طهران الالتزام العقائدي والشعارات الثورية ببراغماتية الدول الباردة؛ فبعد أن استدرجت لبنان وحزب الله إلى حرب إبادة مدمرة تحت عنوان مخادع هو «الإسناد»، تركت الحليف وحيداً في عراء الميدان يواجه مصيره أمام تفوق تكنولوجي كاسر وشهية احتلال توسعية، لتجلس هي في صالونات الدبلوماسية متنازلةً فحسب عن فتح مضيق هرمز مقابل استعادة وضعها الدولي دون أي تنازلات جوهرية مسبقة.