لم يكن الشرق الأوسط يوماً منطقة مستقرة بالمعنى الاستراتيجي للكلمة. فمنذ بدايات القرن العشرين، ظل الإقليم مسرحاً لصراعات القوى الكبرى وتنافس القوى الإقليمية على النفوذ. غير أن التحوّلات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، وما رافقها من تصاعد في الضربات والرسائل العسكرية المتبادلة، أعادت طرح سؤال جوهري: هل يمكن للدول العربية، وخصوصاً الخليجية منها، أن تكتفي بالازدهار الاقتصادي دون بناء منظومة دفاعية قادرة على حماية هذا الازدهار؟
لقد كشفت الضربات الإيرانية التي طاولت أهدافاً في دول عربية خلال الحرب الدائرة حالياً عن واقع استراتيجي لا يمكن تجاهله. فهذه العمليات لم تكن مجرد ردود فعل عسكرية ظرفية، بل حملت في طياتها دلالات سياسية وأمنية أعمق. فهي تعكس تحولاً في طبيعة التوازنات الإقليمية، كما تشير إلى أن الخطاب السياسي الذي اعتمدته طهران لسنوات، والقائم على التطمين وإعلان الرغبة في علاقات حسن جوار مع الدول العربية، لم ينجح في تبديد الشكوك الاستراتيجية القائمة منذ عقود.
ولعلّ أخطر ما كشفته هذه التطورات هو الهوة المتزايدة بين التصريحات السياسية والوقائع الميدانية. فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، شهدت المنطقة موجات متعاقبة من التوتر بين إيران وجوارها العربي، تخللتها فترات من الانفراج النسبي. غير أن السلوك الإقليمي لطهران، سواء عبر الحضور العسكري غير المباشر في عدد من الساحات العربية أو من خلال استخدام أدوات القوة الصلبة، ظل مصدر قلق دائم للعديد من العواصم العربية.
إن قراءة هذه التحوّلات لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع. فالنظام الإقليمي في الشرق الأوسط يعيش منذ سنوات حالة من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة. فقد تراجعت الأطر التقليدية للأمن الإقليمي التي كانت قائمة خلال الحرب الباردة، كما أن الانكفاء النسبي لبعض القوى الدولية عن الانخراط المباشر في صراعات المنطقة ترك فراغات أمنية تسعى قوى إقليمية مختلفة إلى ملئها.
في هذا السياق، تبدو الدول العربية أمام معادلة معقّدة: فقد حققت دول الخليج، على وجه الخصوص، إنجازات اقتصادية وتنموية هائلة خلال العقود الأخيرة، جعلت من مدنها مراكز مالية وتجارية عالمية. غير أن التجربة التاريخية تثبت أن الازدهار الاقتصادي، مهما بلغ حجمه، لا يمكن أن يشكل بديلاً عن الأمن الاستراتيجي. فالاقتصاد القوي يحتاج دائماً إلى مظلة أمنية تحميه، وإلى قدرة ردع تمنع الآخرين من التفكير في تهديده.
إن الضربات الإيرانية العدوانية الأخيرة حملت رسالة واضحة مفادها أن الاعتماد على القدرات الدفاعية الوطنية وحدها، مهما كانت متطورة، قد لا يكون كافياً في بيئة إقليمية تتسم بالتعقيد والتشابك. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة إحياء فكرة الدفاع العربي المشترك، ليس كشعار سياسي، بل كمشروع استراتيجي متكامل يقوم على التنسيق العسكري الحقيقي وتكامل القدرات الدفاعية بين الدول العربية.
لقد عرفت المنطقة في الماضي محاولات لبناء منظومات أمنية عربية، إلّا أن معظمها تعثّر بسبب الانقسامات السياسية أو اختلاف أولويات الدول. غير أن اللحظة الراهنة قد تكون مختلفة. فالتحديات الأمنية المتزايدة، والتغيّرات في موازين القوى الإقليمية، تفرض على الدول العربية التفكير بمنطق جديد يقوم على التعاون الاستراتيجي العميق بدلاً من الاعتماد على الترتيبات الأمنية الخارجية فقط.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة بالنسبة لدول الخليج. فهذه الدول، التي أصبحت اليوم ركائز أساسية في الاقتصاد العالمي للطاقة والاستثمار، تجد نفسها في قلب معادلة جيوسياسية حسّاسة. فالثروة الاقتصادية الكبيرة تجعلها في الوقت ذاته قوة مؤثرة وهدفاً محتملاً في أي صراع إقليمي. لذلك فإن حماية هذه المنجزات تتطلب بناء قوة ردع جماعية قادرة على مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
ومن هنا، يصبح تعزيز الجيوش العربية وتطوير قدراتها الدفاعية أمراً أساسياً، لكن الأهم من ذلك هو توثيق معاهدات الدفاع المشترك وتحويلها إلى منظومة عمل حقيقية. فالتنسيق في مجالات الدفاع الجوي، والإنذار المبكر، والتخطيط العسكري المشترك، يمكن أن يشكل أساساً لمنظومة ردع إقليمية أكثر تماسكاً.
وفي هذا الإطار، تبدو أهمية تعميق التحالفات الاستراتيجية مع دول تمتلك وزناً عسكرياً وسياسياً مهماً في المنطقة. فمصر والأردن تمثلان عمقاً استراتيجياً للأمن العربي، لما تمتلكانه من خبرة عسكرية وتقاليد مؤسسية راسخة في إدارة الجيوش. كما أن توسيع دائرة التعاون لتشمل قوى إقليمية صديقة مثل تركيا وباكستان يمكن أن يضيف بعداً مهماً لأي منظومة أمنية جديدة في المنطقة، نظراً لما تمتلكه هاتان الدولتان من قدرات عسكرية وخبرات استراتيجية متقدمة.
أما على مستوى المشرق العربي، فإن استقرار سوريا يمكن أن يشكّل عاملاً مهماً في إعادة بناء التوازن الاستراتيجي في المنطقة. فسوريا بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها السياسي كانت دائماً جزءاً من معادلات الأمن في الشرق الأوسط، وإعادتها ودعمها لتلعب دورها الطبيعي ضمن منظومة التعاون العربي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوازن الإقليمي.
إن قراءة التاريخ الجيوسياسي للمنطقة تظهر أن اللحظات التي تشهد اختلالاً في التوازن غالباً ما تكون مقدمة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي. وربما تكون التطورات الحالية واحدة من تلك اللحظات التي تدفع الدول العربية إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الجماعي، ليس بوصفه خياراً نظرياً، بل كضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار والتنمية.
فالأمن في نهاية المطاف ليس مجرد مسألة عسكرية، بل هو شرط أساسي لأي مشروع اقتصادي أو حضاري. والدول التي نجحت عبر التاريخ في تحقيق الاستقرار والازدهار هي تلك التي أدركت مبكراً أن القوة الاقتصادية تحتاج دائماً إلى قوة سياسية وعسكرية تحميها.
من هنا، فإن الرسالة التي أظهرتها الأحداث الأخيرة واضحة: لم يعد كوفي عالم يتغيّر بسرعة، حيث تتبدّل التحالفات وتتقاطع المصالح، يبدو أن بناء منظومة دفاع عربي مشترك لم يعد ترفاً سياسياً، بل خياراً استراتيجياً يفرضه منطق التاريخ والجغرافيا.