بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 شباط 2020 12:00ص الدكتور جورج طربيه.. أخذه الّليل بهدأَته...

البروفسور الراحل جورج طربيه البروفسور الراحل جورج طربيه
حجم الخط
إنّ أصعب المواقف هي تلك اﻟﺘﻲ نقفها ﻓﻲ حضرة الموت... والإﻧﺴﺎن ﺑﺎﻋﺘﺒﺎره حاسّاً بالعقل، وﻋﺎﻗﻼً ﺑﺎﻟﺤسّ، يتمكّن من ﻣﻘﺎوﻣﺔ ﺗﺴلّل فكرة الموت إﻟﻰ وعيه إﻻّ بكثير من اﻹﻳﻤﺎن المطلق والإرادة اﻟﺼﻠﺒﺔ.

البروفسور جورج طربيه اﺳﺘﺠﺎب لنداء الزّائر من دون اعتراض، ﻏﺎب الصديق الأعزّ، أخذه الليل بهدأته. رَحَلَ ﺻﺎحب الوجه الهادئ المسكون بالتواضع واﻷﻧﻔﺔ. انطفأ قنديل زﻳﺘﻪ. تناثر ضوؤه كشُعيعات مذهَّبة، ولكنَّها حارقة.

عرفته المنابر ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن وﻓﻲ معظم الدول العربية والأجنبيّة، جريئاً، صريحاً، مترفّعاً، ﻣﻌﺎدﻳﺎً كلّ ﻣﺎ يخرق اﻟﻨاموس.. ومؤمناً بأَنَّ سيادة المرء من سيادة الوطن...

ﻋﺎش ﻓﻲ ﻓﻀﺎء متميّز غير محدود، مملوء بجدائل اﻟﻘﻤﺢ ﻋِﺸﻘﺎً ﻋﻠﻰ أبواب إﻧﺸﺎده، معطيات راﺳﺨﺔ، حدودها تاريخيّة، ﺣدَّ هو من غلوائها، وفضَّ ختم أسرارها، واستخرج نفائسها لتكون اﻷدب الذي يُتعبَّد ﻓﻲ محرابه وأﻣﺎم الكلمة المعبّرة... وﺣﺴﺒﻪ، رﺣﻤﻪ الله، أّﻧﻪ أدرك أهميّة اﻟﻌﻼﻗﺔ بين المواطن والوطن.. تلك اﻟﺘﻲ تؤمّن استمراريّة التّواصل والتّجانس بغير عبء وبغير منّة.

فوحُ عبير دُرره قَرّبه من الجميع، وسكونه الطبيعي المعهود ﻋﻠﻰ اﻣﺘﻼء نفس، أَسعَدَ القلوب ﻓﻲ زمن تحفّزت فيه معدّلات الرجال، فسكتوا أﻣﺎم الضّعة، وتحطّمت أجنحتهم أﻣﺎم اﻟﺼﻌﺎب، فأَلفـوا مكامن الراحة، ومنهم من ألف مكامن الذّلّ! وإذا تكلّمَ فإنَّه يتكلّم ﺻﺎدﻗﺎً وﻻ يحيد عن ﻗﻨﺎﻋﺎﺗﻪ.. خطيب مفوّه، كاتب بليغ وأديب أصيل، يقول الحقيقة بغير التواء أو مسايرة، ينظر اﻟﻰ الوراء.. لم يتأخّر عن اﻟﺴﺎح.. صمـد ويصمـد ﻓﻲ وﺟﻪ العواصف الهوجاء اﻟﺘﻲ كانت تتكسّر وتندحـر ﻋﻠﻰ ﻋﺘﺒﺔ عزيمته الفولاذيّة.

نتذكّر اهتمامَكَ الكبير بالشِّعر والشّعراء، وبالأدب والأدباء وتكريمهم في مناسبات عديدة وتقديم الدُّروع لهم. الكتابة عن جورج طربيه، ﺗﺤﺘﺎج اﻟﻰ معرفة، وهي ﺗﻌﻨﻲ اﻟﺸﻲء الكثير، ﺑﻤﻌﻨﻰ أنّ قيمة اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ حياته ﺗﺘﺠّﻠﻰ بإنسانيّته وبمدى اندفاعه نحو البذل والعطاء... وإﻧﺴﺎﻧﻨﺎ، ذلك الطّود اﻟﺸﺎﻣﺦ الذي آمن ﺑﺎلله وبوطنه وبقوميّته، فكان وﻻؤه مدعـاة فخر لوطنه وﻷﺑﻨﺎء وطنه. وﺣﺴﺒﻪ مجداً وفخراً أن يكون الله ﻣﻌﻪ والتوفيق حليفه ﻓﻲ مختلف الميادين.

يجذبك بحديثه، مهيب الطّلعة، هادئ المزاج، كريم النفس، كثير التَّأمّل والتفكُّر، يقف عند حدّ إزاء ﻗﻀﺎﻳﺎ وطنه وشعبه. لا يغضب، يكره العظمة والكبرياء، رحب الصّدر، ﻳﺼﻐﻲ اﻟﻰ مخاطبة الزائر صاحـب اﻟﺤﺎﺟﺔ مهما ﻛﺎن ﺷﺄﻧﻪ، يستقبـل زوّاره ﺑﺒﺸﺎﺷﺔ وإﻳﻨﺎس، لا فرق عنده بين كبير وصغيـر، يجذب ﺟﻠﺴﺎءه بعذب حديثه، كريماً، جواداً لا يردّ طلباً ولا ينهر سائلاً... هو محمود اﻟﺨﺼﺎل واﻟﻌﺎدات. وعندما تفيض قريحته، فهو الحكيم المتبصّر والأديب الأريب المفكّر والخبير الرَّشيد بكلّ ﻣﺎ ﺗﻌﻨﻲ الكلمة والمتضلّع من اللّغة...

حقَّقَ اﻟﻐﺎﻳﺔ وأﺻﺒﺢ من أقدر ﺣﻤﻠﺔ اﻷﻗﻼم ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن الذي يزخر ﺑﺎﻷدﺑﺎء والشعراء واﻟﻨّﻘﺎد، والتفّ حوله من ﻛﺎن دوﻧﻪ ليحصل ﻋﻠﻰ الجاه، ﺑﻤﻼزﻣﺔ أمراء وأعيان الكلمة. يعترف بالمستحيل، لكلّ ﺷﻲء عنده الحلّ المناسب، ﻳﻀﻊ الممكن وغير الممكن ﻓﻲ قوالب الحسّ والقيم والمثل، مستحضراً أجلّ المضامين اﻟﺘﻲ تساهـم ﻓﻲ مسرّات اﻟﻘﻀﺎﻳﺎ الاجتماعيّة والأدبيّة.

أيّها الراحل الكبير،

أﻣﺠﺎدك العلميّة والإنسانيّة تُشرق ﻛﻤﺎ الشمس... وصوتك الجَهْوريّ يزن الكلام الذي هو كالسّلاح وكالنّار القويّة تلدغ أسماع من سبقهم الزّمن فوقفوا عند حدّ وتخلّوا عن كلّ ﺷﻲء ﺣﺘﻰ ﺑﺎت الوطن مزرعة مملوكة، نحن فيها غرباء!

رحلت ولم تودّعنا، نسجْت من خيوط ﻳﺄﺳﻨﺎ كفن الرّحيل. دﻋﻨﺎ نودّعك من أمنيات نظراتنا وتلهّف آهاتنا... من التهاب الدموع وصراخ الشّوق المحترق. وَمَنْ أَحَبَّكَ، هل يستحقّ القسوة؟ لن نظلمك وأنت في سباتك الأبدي، ولن نُسمعك نحيب أشواقنا الثكلى. رحلت وآهاتُنا المستلقية ﻓﻲ مهود حناجرنا ودموعنا اﻟﺘﻲ افترشت أحداقنا، رحلت ولم تندم ولم تتألّم، بل نحن الذين ندمنا وتألّمنا، وزادُنا أنّات جراح ﻓﻲ مملكة الأحزان.

وبعد، فيا أيّها المنتقل من المعلوم إلى المجهول كطيف يُلامس أحلام اليقظة، دﻋﻨﺎ نسافر ﻓﻲ عمق اللحظات اﻟﻤﺘﺴﺎرﻋﺔ، نحلم بالأمل، علّنا نحظى ﺑﻠﻘﺎء أبديّ فنحتفظ بك وﻻ ندعك تغيب... إﻟﻰ جنّة الخلد أيّها الكبير، فحزنُنا يؤرّق الحناجـر، وانتظارنا مداه إلى ما لا نهاية. لك في كلّ خلجة قلب وفي كلّ نهضة روح تحيّة إﻛﺒﺎر.. لن ﻧﻨﺴﺎك بعدما خطّ الزّمن جرحه ونحن ﻓﻲ غروب شمس وعتمة ليل حيث تتكسّر ألوان الشّمس ﻓﻲ أمواج بحور اﻷدﻣﻊ التّائهة، وحيث يُلوّح ﻣﻠﺢُ الفراق ﻣﻨﺎرة الوجود ويُسطّر عليها حكايا مؤلمة وحارقة، رحمكَ الـلّـه.

د. عبد الحافظ شمص