د. رشا أبو حيدر
منذ هجمات الحادي عشر من أيلول لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى أمنها القومي بالطريقة نفسها. فالدولة التي اعتادت خوض حروبها بعيداً عن أراضيها اكتشفت فجأة أن المحيطات لم تعد كافية لحمايتها، وأن القوة العسكرية الهائلة لا تمنع وصول الخطر إلى قلب مدنها. لقد شكّل ذلك اليوم نقطة تحوّل كبرى في العقل الاستراتيجي الأميركي، ودفع واشنطن إلى الدخول في مرحلة طويلة من الحروب الخارجية تحت عنوان «الحرب على الإرهاب».
خلال السنوات التي تلت 11 أيلول، خاضت الولايات المتحدة حروباً واسعة في أفغانستان والعراق، ووسّعت حضورها العسكري والاستخباراتي في مناطق متعددة من العالم. وكان المنطق الأميركي آنذاك يقوم على فكرة واضحة: حماية الداخل تبدأ من ملاحقة التهديدات في الخارج قبل أن تصل إلى الأراضي الأميركية. ولهذا بدت واشنطن وكأنها تنقل خطوط المواجهة دائماً إلى أراضي الآخرين، بحيث تبقى الحرب بعيدة عن المدن الأميركية.
إلّا أن التحوّلات الدولية المتسارعة خلال السنوات الأخيرة دفعت الولايات المتحدة إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن نفسه. فالمخاطر لم تعد تقتصر على التنظيمات المسلحة أو الهجمات التقليدية، بل ظهرت أنواع جديدة من التهديدات تتمثل في الصواريخ الفرط صوتية، والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، وحتى احتمالات الصراع الفضائي. وفي ظل هذا الواقع، عاد الحديث عن مشروع «القبة الذهبية» الذي طرحه دونالد ترامب باعتباره رؤية دفاعية جديدة لحماية الولايات المتحدة من أي هجوم مستقبلي قد يستهدف أراضيها مباشرة.
ورغم التشابه في التسمية مع القبة الحديدية الإسرائيلية، فإن المشروع الأميركي يتجاوز بكثير فكرة اعتراض الصواريخ القصيرة المدى. ان القبة الذهبية تقوم على بناء منظومة دفاعية شاملة تعتمد على الأقمار الصناعية والرادارات فائقة التطور وأنظمة الذكاء الاصطناعي وتقنيات الاعتراض الجوي والفضائي، بهدف إنشاء درع قادرة على مواجهة التهديدات الحديثة أينما انطلقت.
غير أن أهمية المشروع لا تكمن فقط في التكنولوجيا العسكرية، بل في التحوّل النفسي والسياسي الذي يعكسه. فالولايات المتحدة التي بنت نفوذها لعقود على فكرة نقل المعارك إلى الخارج، تبدو اليوم وكأنها تخشى انتقال الحرب إلى داخلها. وهذا القلق يرتبط بشكل مباشر بتصاعد التوترات الدولية مع القوى الكبرى التي باتت تمتلك قدرات عسكرية وتكنولوجية قادرة على تهديد العمق الأميركي بصورة غير مسبوقة.
فالصين تعمل بوتيرة متسارعة على تطوير ترسانتها الصاروخية والبحرية والفضائية، وتسعى إلى فرض نفسها كقوة عالمية منافسة اللهيمنة الأميركية، بينما تواصل روسيا الاستثمار في الصواريخ الفرط صوتية وأنظمة الردع النووي التي تعتبرها موسكو عنصراً أساسياً في مواجهة التفوّق الغربي. أما كوريا الشمالية، فرغم محدودية إمكاناتها مقارنة بالقوى الكبرى، فقد نجحت في فرض نفسها لاعباً مقلقاً عبر تجاربها الصاروخية والنووية المتكررة، وقدرتها على خلق حالة دائمة من التوتر وعدم اليقين.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل «القبة الذهبية» عن سباق التسلح العالمي الذي يدخل مرحلة جديدة عنوانها الذكاء الاصطناعي والفضاء والحروب السيبرانية. فالتطور التكنولوجي الهائل جعل المسافات أقلّ أهمية، وأصبح أي خلل أمني أو تقني قادراً على إحداث أضرار استراتيجية داخل الدول الكبرى نفسها، مهما بلغت قوتها العسكرية.
لكن رغم الطموحات الضخمة لهذا المشروع، يبقى السؤال الأساسي مطروحاً: هل يمكن لأي قوة مهما بلغت أن تبني حماية مطلقة؟ فالتاريخ العسكري يثبت أن كل منظومة دفاعية تدفع الخصوم إلى تطوير وسائل جديدة لاختراقها. ولذلك يخشى كثيرون أن يؤدي مشروع كهذا إلى سباق تسلح عالمي أكثر تعقيداً وخطورة، خصوصاً مع دخول قوى كبرى مثل الصين وروسيا في منافسة مفتوحة على مستقبل التكنولوجيا العسكرية.
ومع ذلك، فإن «القبة الذهبية «تبقى مؤشراً واضحاً على تحوّل كبير في التفكير الأميركي. فالولايات المتحدة التي أمضت عقوداً ترسم الحروب على خرائط الآخرين، باتت اليوم تفكر للمرة الأولى منذ زمن طويل بكيفية حماية مدنها وسمائها وبناها التحتية من حرب قد لا تبقى بعيدة عنها. وكأن القوة الأعظم في العالم بدأت تدرك أن زمن الحروب البعيدة يقترب من نهايته، وأن عالم القرن الحادي والعشرين لم يعد يعترف بالحدود التقليدية للأمن أو بالحروب التي تبقى خارج الجغرافيا الأميركية.