بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 نيسان 2026 12:00ص الوسطيون...

حجم الخط
لميس شقير

نحن الوسطيون اللبنانيون لنا رأي أيضاً. لسنا useful idiots كما وصفنا البعض. بعيداً عن سياق هذا المصطلح الذي استُخدم في الحرب الباردة، يسمّينا معسكر الأسود والأبيض «الرماديين»، فيما نحن نضجّ بالألوان. لا نحمل وجهات نظر حادّة ومنقسمة تجاه واقع متهوّر، بل نسعى إلى فهمه ونرفض أن نُختزل فيه. نحن قرّاء جبران والشيطان والخوري سمعان وتلاميذ مدرسة «فنّ الحرب»، نحن الذين دافعنا وكتبنا ووضعنا النقطة والفاصلة وأنتجنا لبناننا... كبيراً كان أم صغيراً، منتدَباً، محتلاً، تابعاً، أم سيّداً مستقلاً.
معسكران لا ثالث لهما، وفي الحالتين تبعيّة، إيرانية كانت أم أميركية أم «كونفوشوسية»... فاختزال اللبنانيين بين هذين المعسكرين يلغي وجود فئات واسعة لا تجد نفسها في أي منهم تبحث عن الدولة الجامعة. لقد سئمنا مصطلحات كـ«الشرف والنصر والشيطان الأكبر» وأيضا «حلو عنا، قرفتونا، وما بتشبهونا» التي تُستخدم كوقود لنار داخلية. نحن المؤمنون بفكرة الوطن، والكافرون لضعف مؤسسات الدولة اليوم، تلك التي وُلدت من رحم الطائفية، فكيف لها أن تحقق العدالة الاجتماعية بعيداً عن الاصطفافات التقليدية؟ دولة لم تكشف ما حصل في «بيروتشيما» وغيرها من الأحداث المؤلمة والاغتيالات...
أثقلت الحسابات الطائفية والسياسية قدرة الجيش على حماية حدود الوطن وعاصمته. الجيش الذي عجزت إسرائيل عن نزع سلاحه بالقوة تُرمى عليه المسؤوليات وتُحمَّل له الحجج... جيش غير مسموح له أن يصبح قوياً ليقف بوجه جيوش جيرانه فكان همّه الأول والأخير حفظ السلم الأهلي. خلل في الإسم أم في الوظيفة؟ لا يهم، لأنه المؤسسة التي ما زالت تعمل لإكمال مشروع الوطن. نعم، ربما أدّى رفض التصادم مع الحزب إلى الحرب، لكن الفتنة تبقى خياراً أسوأ. ونعم لاستعادة الدولة قرارها، لا كطرف بل كمرجعية جامعة.
«كلن يعني كلن» لم يكن شعاراً عبثياً. شعار حورب من كل التابعين «للعرّابين» كان صرخة ضد منظومة كاملة أوجعتنا ولا تعفي أحداً من مسؤوليته في الانهيار المالي والإداري. وجرائم الحرب والمفقودين ما زالوا شهوداً علينا جميعاً وهنا تسقط نزاهة الفريق المعارض. وإن رفضنا سياسة الحزب وفكره لا يعني تبرير الجرائم، تماماً كما رفضنا «الاحتلال» لا يبرر تغييبه في بيانات تتجاهل إدانة من قتل الآلاف. نحن لسنا مادة للتجارة السياسية، لذلك نقرأ بقلوبنا ونحن في المحراب.
وبين السيّئ والأسوأ، لم يتبقَّ لنا سوى البحث عن مسار يضع الدولة أولاً. صحيح أن محاولات الوقوف في الوسط بين الدولة والدويلة فشلت في منع المصائب، ولا يمكن لعاقل إنكار ذلك، لكنّ البديل ليس في إلغاء الآخر في طريق قيام الدولة الجامعة لـ «نحن» فئات مختلفة وطنية، بدل تسويات مؤقتة تقود إلى انهيارات أكبر.
نحن نتألم لمصرع أبناء الوطن، نحن مع ضحايا مجزرة بيروت الأمس، وكل ضحية جنوبية، ومع «لرايح بعزا الطالح». أتعبنا فكر «الرأيان» هناك آراء... ربما ما يخيفهم اليوم ليس حيادنا، بل قدرتنا على رؤية الواقع من دون انخراط أعمى، وكسرنا لاحتكار الحقيقة من أي معسكر. هذا التبسيط للمصطلح المستخدم يتجاهل فئات واسعة تعارض «حزب الله»، وفي الوقت نفسه لا تثق بالدولة الضعيفة كما تُدار من دون إصلاح فعلي. والعقول المتعصبة قنابل موقوته في نهاية المطاف تفتك بنفسها.
ندرك جيدا أننا لا نستطيع محو ماضٍ أسود، لكننا نعوّل على دم جديد إلى أن يفتح الموت طريقاً للنجاة من رؤساء أحزاب ينتحلون شخصيات «العراب» بكل أجزائه. واعتدالنا ليس ضعفاً بل يحتاج قوة صلبة لامتصاص التطرف من الجانبين. ونتألم لأننا وحدنا ندرك حجم الكراهية لشعب متعدد الانتماءات ومختلف بالثقافات. ونتألم أيضا، لأننا ندرك حجم الكراهية في شعبٍ متعدد الانتماءات ومختلف الثقافات، والحل لا يكون إلّا ببناء «نحن» لا تُختزل في معسكران لأننا نؤمن أن كل التطرّفات ستنتهي بتفاوض على دم الأبرياء.