بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 نيسان 2026 03:40ص بعد الاخفاقات ومفاجآت حزب الله.. هذا ما تريده اسرائيل من استهداف المصنع وكفرحتى؟

حجم الخط
لماذا قررت اسرائيل اشهار ورقة البقاع الغربي، واستهداف نقطة المصنع الحدودية، وتفريغ بلدة كفرحتى واستهدافها؟ قبل الاجابة عن ذلك لا بد من تقديم الواقع الميداني الجديد منذ اكثر منذ شهر.

بعد بداية عملية "العصف المأكول" برزت مقارنة لافتة بين القدرة الأمنية الإسرائيلية خلال "حرب الاسناد" وعجزها الواضح اليوم في مواجهة "حزب الله”. 
إسرائيل خلال الحرب الماضية كانت قادرة على اغتيال قادة حزب الله على رأسهم السيد حسن نصرالله، وكان المشهد يظهر صورة لقوة استخبارية مسيطرة، قادرة على مطاردة أي عنصر من الحزب بغض النظر عن مكانه، سواء في الجنوب او الضاحية او بيروت أو حتى في منشآت تحت الأرض.
لكن اليوم، يبدو أن إسرائيل قد فقدت جزءا كبيرا من قدرتها الأمنية في لبنان، ففي الوقت الذي أطلقت فيه ستة صواريخ باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، يبدو أن حزب الله قد "فقأ عيون” إسرائيل، ولا نبالغ إذا قلنا ان القوة الاستخباراتية الإسرائيلية كانت تعتمد بشكل رئيسي على عملائها المنتشرين داخل لبنان، وكأن كل زاوية وكل تحرك قد يراقب من خلال شبكة متشعبة من الجواسيس والمخبرين. 
ولكن مع اندلاع الحرب، بدأ الحديث عن "اختفاء” هؤلاء العملاء، وربما في اللحظة التي أُطلقت فيها تلك الصواريخ الستة تم القضاء على هؤلاء العملاء.
اما عن بعض عمليات الاغتيال الأخيرة التي نُفذت ضد بعض الشخصيات، كما في منطقة الجناح- أسواق الروشة، فقد تكون مرتبطة بأمور لوجستية مثل استخدام الهواتف النقالة وحتى لو كانت بأرقام عربية غير لبنانية أو تمديد الواي فاي، أو حتى تنقل الشخصيات في مواكب متعددة السيارات، وهو ما حصل في اغتيال الجناح فالراصد كان متأكداً من عدم وجود طائرات مسيرة إسرائيلية في الأجواء. 
ومع ذلك، تجاهل أو ربما نسى أن إسرائيل تعتمد ايضا على كاميرات مراقبة منتشرة في كل شوارع بيروت، لا سيما في المناطق الحساسة مثل الضاحية الجنوبية، بالإضافة إلى شبكة واسعة من الجواسيس المزروعة في كافة مداخل العاصمة وأماكن تجمعات النازحين. 
هذا العمى أصاب اسرائيل ايضا في الجنوب مع "مفرمة الدبابات" وقدرة شباب الحزب على إيقاع الاسرائيلي في اكثر من كمين محكم في الخيام والبياضة والاغارة على مارون الراس مع اعتراف اسرائيل بعدم قدرتها على تدمير منصات الصواريخ وان الدخول البري هو بمثابة فخ مميت. 
البحث عن انتصار وهمي
هذا التخبط دفع بالجيش الإسرائيلي للبحث عن "صورة انتصار” تسهم في استعادة هيبته المفقودة، خاصة بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها وأحد السيناريوهات العسكرية التي ربما تكون قد طُرحت في دوائر التخطيط العسكرية الإسرائيلية هو "تحقيق نصر سريع” على حساب المدنيين، عبر القيام بعمليات تطويق وتحقيق إنجازات إعلامية استراتيجية، بدلاً من الخوض في معارك استنزافية طويلة. 
لذا، قررت إسرائيل تركيز ضرباتها في منطقة كفرحتى بعد الانذار الذي اطلقته لمغادرة السكان، فكفرحتى تقع في منطقة تشكل نقطة التقاء بين جنوب نهر الليطاني ومناطق البقاع الغربي وهو ما يجعلها من وجهة النظر الإسرائيلية أرضا حيوية يجب إفراغها من أي وجود عسكري أو بنى تحتية أو محاولات لإعادة بناء القوة.
‎ "دفرسوار" من جبل الشيخ إلى البقاع الغربي
إسرائيل تتعامل مع هذه المنطقة باعتبارها مساحة تقاطع، وتتحرك فيها "لمنع أي تموضع أو تحصين، سواء كان قائما أو قيد الإنشاء"، مستندة إلى تفوق جوي يتيح لها رصد الأهداف وتحديدها وضربها متى تشاء.
‎فقررت إسرائيل اظهار ورقة جديدة الا وهي اختبار "دفرسوار" من جبل الشيخ إلى البقاع الغربي، ولهذه الغاية كانت قد نفذت وحدة كوماندوز جبلية اسرائيلية المهمة عبر تسلّق جبل الشيخ في ظروف ثلجية، بهدف تمشيط المنطقة وجمع معلومات استخبارية إلى جانب كشف بنى تحتية ميدانية.
‎هذا التطور يتجاوز كونه عملية استطلاع موضعية، ليشير إلى إعادة تفعيل محور استراتيجي يمنح أفضلية جغرافية واضحة، إذ يتيح الموقع المرتفع إمكان الإشراف على مساحات واسعة، وفتح مسارات التفاف تتجاوز خطوط التماس التقليدية.
هدف الاقتحام من جبل الشيخ تشتيت حزب الله عبر فتح جبهة جديدة، اذ يحاول الجيش الإسرائيلي الوصول إلى الطريق الممتدة بين الجنوب والبقاع لقطعها، لأن الجبهة تربط استراتيجياً بين الجنوب والبقاع الغربي. 
لكن القدرة على القطع بين الجنوب والبقاع الغربي ليست بالأمر السهل، فمنطقة العرقوب وحاصبيا وعرة ويمكن لحزب الله استغلال التضاريس لعرقلة أي تقدّم، عوضا عن وجود معسكرات ضخمة للحزب هناك.
استهداف المصنع
خطة التطويق هذه، التي كانت جزءًا من الأفكار العسكرية الإسرائيلية منذ حرب 2006، تهدف إلى استعادة صورة إسرائيل العسكرية المتفوقة على الرغم من ضعف دوافع جنودها، وها هي اليوم وسط الخسائر التي يمنى بها جنودها تريد اعادة تطبيق هذا السيناريو، واستهداف المصنع ليس بريئا وقد يكون الاشارة الاولى لتلك الخطة بهدف ارباك حزب الله والايحاء انها قادرة على تطبيقها رغم ارتباكها امام مفاجأت الحزب.
فهي لا تأبه للعزل البري للبنان ولا يهمها من يجوع من اللبنانيين وتعلم جيدا ان حزب الله لا يعتمد على خط الامداد اللوجستي والعسكري عبر هذا المعبر.
في هذا السيناريو، يُتوقع أن تقدم إسرائيل على زحف بطيء عبر مناطق بيروت الجبلية مثل الباروك والدامور، مرورا بمنطقة ضهر البيدر وصولًا إلى المرفأ، في عملية تمتاز بأنها لا تُواجه فيها المقاومة الحقيقية. 
إسرائيل تعتقد أن هذه الخطة ستكون خالية من أي معركة حقيقية، ما دام حزب الله، وفق تقديراتهم، لا يملك القدرة على الوصول إلى هذه المناطق غير الشيعية والتي يعتقدون أنها ستكون بيئة معادية له.
ولأن هذه العمليات ستقتصر على استخدام المركبات والطائرات المقاتلة، فإن التكلفة العسكرية، وفق المخططين الإسرائيليين، ستقتصر على استهلاك الوقود فقط وعليه فإن خطة التطويق ستُمثل "نصرًا” من دون قتال كبير.
نقاط ضعف هذه الخطة
لكن السؤال البديهي هنا هو: إذا كانت هذه العملية العسكرية سهلة كما تصوّرها المخططون الإسرائيليون، لماذا لم تُنفذ إسرائيل هذه الخطة من قبل، بدلًا من مواجهة الهزائم المتكررة في ساحة المعركة؟ لماذا لم تلجأ إلى تلك العمليات السهلة التي لن تكلف سوى "المحروقات” وفق تقديراتهم، بدلاً من الخوض في معارك خاسرة تُدمر فيها دباباتهم وتُستهدف فيها وحداتهم بالصواريخ من قبل حزب الله في الخيام، العديسة، ومارون الراس؟
الإجابة على هذا السؤال تقتضي الاعتراف بأن تطور قدرات حزب الله بعد ١٥ شهرا من الاستنزاف كان مفاجئا للغاية. كان يُعتقد أن الجيش الإسرائيلي قادر على أن يقيم سيطرة كاملة على الأرض بفضل تفوقه التكنولوجي والعسكري، إلا أن حزب الله أثبت أن ما كان يُعتقد سهل المنال أصبح بعكس ذلك. قدرة حزب الله على شن هجمات صاروخية ودقيقة على الفرق والوحدات الإسرائيلية في مناطق مثل الخيام ومارون الراس والقرى التي تعد ساقطة عسكريا قد فاجأت إسرائيل وجعلتها تعيد حساباتها بشأن هذه المناطق.
ولا شك أن حزب الله كان قد درَس هذه الخطة العسكرية الإسرائيلية منذ زمن طويل. فهو يعرف، كما يعرف الإسرائيليون، أن هذه العمليات العسكرية لن تكون سهلة. الحزب، استعد جيدا للسيناريوهات المتوقعة من العدو، وعلى رأسها هذا السيناريو نفسه.
اليوم، مع تفوق حزب الله العسكري والقدرة العالية على المناورة، يتعين على إسرائيل أن تدرك أن أي محاولة لاستعادة "هيبتها” من خلال عمليات تطويق أو تحركات في المناطق اللبنانية الجبلية ستواجه مقاومة قوية من الحزب. لن يكون "النصر” الذي يصورونه سهلًا، بل قد يكون مكلفًا للغاية من الناحية البشرية والمادية.
قد تجد إسرائيل نفسها أمام مفترق طرق عسكري، حيث أن المخطط الذي يبدو مثالياً اليوم فهو من المؤكد غير مجدٍ أمام قدرة حزب الله العالية على التكيف ومفاجأة العدو. 
إسرائيل اليوم، وعلى الرغم من تفوقها العسكري، تجد نفسها في موقف صعب، حيث يواجه جيشها التحدي الكبير في التصدي لمقاومة شرسة على الأرض من حزب الله، الذي أعد العدة لكل الاحتمالات، وأصبح قادرا على مفاجأة العدو في كل مرة.