بين غصَّات النساء وزعيق توم حرب.. «ملحمة التفاوض لاستعادة الجنوب من أجل لبنان الكبير»
تقتصر المرارة ويتعمق القرار في أنفس النسوة الجنوبيات، وهنَّ عائدات الى قراهم. كان المشهد بالغ التأثير والتأثر حول الأصوات العالية والحزبية لنساء زوطر الغربية، وهنّ يقفن على تخوم قريتهنّ التي سميت «بالتجريبية» فانتقلت من نار الاحتلال الاسرائيلي «الكربة» الى علم الجيش اللبناني «الوطني» وعلم دولة لبنان الكبير مع الاحتفال بتطويب البطريرك يوسف الحويك قديساً، وهو صاحب فكرة دولة لبنان الكبير، التي قضت بضم الأقضية الأربعة التي تحتوي على كثافة إسلامية الى دولة لبنان الصغير التي كانت عبارة عن متصرفية جبل لبنان، ضمن الثنائية الدرزية - المارونية، وذلك في مؤتمر الصلح في فرنسا غداة هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى.. وتوزيع ممتلكات «الرجل المريض» أي تركي في مشارق الأرض ومغاربها..
ليست المرة الأولى، التي تتعرض فيها مدن الجنوب وقراه من جنوبي الجنوب (أي جنوب نهر الليطاني، التي تنتهي مع الحدود التي أقرت لدولة اسرائيل التي قامت على أنقاض فلسطين التاريخية، وقضمت دولة الاحتلال منذ العام 1947 أجزاء من الأراضي اللبنانية، واستوطنت بها، لتذهب اليوم الى فصل أكثر خطورة في ضم الأراضي، عبر حلقات متصلة، ضمن سياق الاحتلال الدائم للأرض الجنوبية، بوضع اليد بالقوة العسكرية، ثم التصرف بأملاك الغير، وحقوق الدولة اللبنانية، وأملاك الجنوبيين، هدم منازل، شق طرقات، مصادرة الأثاث، تفجيرات مصالح الكهرباء والمياه والاتصالات وكل مقوّمات الحياة، في حدّها الأدنى.
طرد الاحتلال الاسرائيلي أبناء القرى من قراهم، ووضع خطوطاً صفراء حول المناطق التي تدخل بالعرف الاسرائيلي ضمن «المنطقة الأمنية» (وهو تعبير يستخدمه الإحتلال لإعطاء صفة ما لاحتلاله، كتوفير الأمن والأمان لسكان الشمال، أي لسكان المستوطنات الاسرائيلية قبالة الحدود مع لبنان..
هكذا يوفر بنيامين نتنياهو ويسرائيل كاتس وأيال زامير(رئيس الأركان)، وهم الزمرة القابضة على القرار العسكري والأمني الأمن لقطعان الاستيطان، على حساب شعب أصيل، مضى على تموضعه وشرائه وامتلاكه لأرض الجنوب مئات السنين..
تُرك الجنوبيون لقدرهم: الجيش اللبناني لا قدرة لديه، ولا ثمة قرار سياسي بانخراطه بمشروع عسكري للدفاع عن القرى وسكانها، والسكان لا سلاح بأيديهم، والمقاومة التي بنت المنشآت والأنفاق والدفاعات قادرة على التحرير، ودحر الاحتلال، كما حدث في العام 2000، عندما هربت قوات الاحتلال، وتبعتها ميليشا انطوان لحد، التي سبق بأن أسسها سعد حداد، ودخل الأهالي دخول الفاتحين، مهللين بالنصر، وعلى أكتافهم أعلام لبنان وأعلام المقاومة هذا بالحد الأدنى..
تتضاعف المرارة عند الجنوبيين، ويشتد غيظهم، وهم يقفون على أطلال منازلم الدارسة، كأن زلازل ضربت بطون الأرض والمنازل والبيوت، وقناطر البيوت القديمة، المصنوعة من الحجر الصلب، الذي لا يقوى عليه حجر، أو سلاح، قبل أن يطوِّر مجرمو الحرب وسائل التفجير والقتل والإبادة..
أبلى رجال المقاومة بلاءً حسناً في الميدان، قاتلوا، وتحملوا، واستشهدوا، ولم يتركوا الساحة «للجبناء الصهاينة»، الذين اعتمدوا الطيران والمسيَّرات وكل وسائل التصوير، والتدقيق، قبل أن يتقدموا على الأرض، وبين فصول المعارك والحرب غير المسبوقة، وآهات النسوة، وحتى بكاء الرجال، انطلقت عجلة مفاوضات انتقلت من المفاوضات المباشرة، بعدما رأى الرئيس اللبناني جوزاف عون، بوطنيته وعزيمته، أن الحل يمر عبر هذا المسار التفاوضي، وصولاً الى إنهاء الحرب، وحتى العداء... الآن وإلى الأبد..
لا مراء في أن رئيس لبنان يتمتع بمناقبية وطنية، وانتماء غير قابل لأي جدل، إلى بلده، وجيشه، وجنوبه.. ولكن هذا شيء والخبرة شيء آخر، بالتجربة لتاريخه، لم توقف المفاوضات العدوان الاسرائيلي، فطائرات الاستطلاع المعادية فوق بيروت والضاحية الجنوبية لم تتوقف، لا في الليل ولا في النهار، يصحا المواطنون على صوتها، وينامون على أزيزها وعنينها وسط غضب، يعبّر عن نفسه «بالسباب» والتحسُّر، والغمز من قناة المسبِّبين، وفي مقدمهم دولة الاحتلال، والحسابات المتسرعة لقيادات المقاومة، على شتى مضاربها..
سؤال خطير للغاية: كيف تفاوض، والحد الأدنى لوقف النار لم يتحقق، فقط يمتنع حزب الله عن الردّ أو خوض الإشتباكات لتوفير الفرصة أمام عودة الأهالي الى قراهم،وإعطاء الفرصة أمام سلطة الرئيس عون، والحكومة لمواصلة طريق «الألم والآلام» من أجل إخراج الإحتلال من الجنوب، أما الباقي فتفاصيل، لجهة السلاح، وحصره، وتسليمه أو نزعه، بعيداً عن قوة الاحتلال، أو الاستعانة بـ «صديق» للأميركيين أو للبنانيين!.
إنها محنة الاحتلال غير المسبوق، ومحنة التفاوض المباشر أو غير المباشر، (ليس هو الأمر المهم) في بلد، مملوء بالأزمات، وغارق بالنكبات، ومفتوح على الإنقسامات، وصاحب باع طويل في «الرهانات الخاطئة»..
في اللحظة هذه على مرارتها، يصبح من المحذور أي صدام على أرض القرى المستعادة أو المحرَّرة، بصرف النظر عن مزاعم وزعيق توم حرب (اللبناني - الأميركي) أو غيره، فأهل الجنوب أدرى بشعابه، تماماً كما أن أهل مكَّة أدرى بشعابها!






