بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 نيسان 2026 12:10ص ترامب وإيران.. الخديعة الرابعة!

حجم الخط
لم تعد الحروب تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالخداع أيضاً. في هذا النوع من الصراعات، لا يكون السؤال من يطلق النار أولاً، بل من ينجح في إقناع خصمه بأن النار لن تُطلق أصلاً.
هكذا تبدو المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في مرحلتها الأخيرة: مفاوضات تُفتح لتُغلق، ووعود تُقدَّم لتُنكث، ومهل زمنية تتحوّل إلى فخاخ محسوبة. في كل مرة، كانت طهران تعتقد أنها تقترب من تسوية، قبل أن تجد نفسها أمام ضربة جديدة. ثلاث مرات تكرّر المشهد: تفاوض يتبعه هجوم، وطمأنة تعقبها ضربة، ووعود تتحوّل إلى عمليات عسكرية. لم يكن ذلك صدفة، بل نمطاً متكرراً يكاد يرتقي إلى استراتيجية قائمة بذاتها.
في 7 نيسان/أبريل 2025، أعلن الرئيس دونالد ترامب من البيت الأبيض استعداده لفتح باب المفاوضات مع إيران حول ملفها النووي. لم يكن الإعلان مفاجئاً بالكامل، إذ سبقته محاولات خلال إدارة جو بايدن، انتهت بشكل دراماتيكي بسحب التصريح الأمني من المبعوث الأميركي المعني بالملف، روبرت مالي، في إشارة إلى عمق التعقيدات التي تحيط بالملف. في 14 نيسان/أبريل من العام نفسه، انطلقت جولة جديدة من المحادثات في مسقط بوساطة عمانية، وقاد الوفد الأميركي ستيف ويتكوف، رجل الأعمال الذي لا ينتمي إلى المؤسسة السياسية أو العسكرية التقليدية، بقدر ما يعكس نمطاً جديداً في إدارة الملفات الحسّاسة، قائماً على الثقة الشخصية والعلاقات المباشرة. بدأ ويتكوف حياته محامياً في مجال العقارات، قبل أن تتوطد علاقته بترامب وتدفعه إلى عالم الأعمال، حيث أصبح من كبار المُلّاك العقاريين بثروة تتجاوز المليار دولار. عُقدت خمس جولات من المفاوضات بين ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقتجي، وكان من المقرر عقد جولة سادسة في 15 حزيران/يونيو 2025. لكن إسرائيل سبقت ذلك بهجوم واسع على إيران في 13 حزيران/يونيو، استهدفت خلاله قادة عسكريين وأمنيين وعلماء نوويين، في عملية جرت بعلم الولايات المتحدة، لتكون الخديعة الأولى. لاحقاً، وبعد أن منح ترامب مهلة أسبوعين، شاركت الولايات المتحدة في قصف مفاعل أوردو بعد يومين فقط، في ما شكّل الخديعة الثانية. في ديسمبر/كانون الأول 2025، وبعد اضطرابات داخلية وخطاب أميركي داعم للمعارضين للنظام، تمكّنت السلطات الإيرانية من استعادة السيطرة وفرض الاستقرار. عاد ترامب ليعرض المفاوضات مجدداً، فوافقت إيران، وبدأت جولة جديدة في 6 شباط/فبراير 2026، مع التحضير لاجتماع في الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا. لكن المشهد تكرر بصورة أكثر حدّة: في 28 شباط/فبراير، وقبل 48 ساعة من موعد جولة تفاوضية جديدة في جنيف، شنّت الولايات المتحدة هجوماً مفاجئاً، واغتالت مرشد الثورة علي خامنئي ونحو خمسين من كبار القادة، في ما اعتُبر الخديعة الثالثة. توسّعت الحرب بعد ذلك بشكل غير مسبوق، حيث استهدفت الضربات الأميركية والإسرائيلية نحو 13 ألف موقع داخل إيران، شملت بنى تحتية مدنية من مدارس وجامعات ومستشفيات ومصانع ومنشآت طاقة وجسور وخطوط سكك حديد. وأمام هذا التصعيد، وجّه ترامب إنذاراً لإيران بفتح مضيق هرمز، مهدّداً بإعادتها إلى «العصر الحجري»، وتدمير منشآت النفط والطاقة. إلّا أن طهران ربطت موافقتها على فتح المضيق بورقة النقاط العشر.
دخلت باكستان على خط الأزمة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المزدوجة. فهي دولة مجاورة لإيران بحدود تمتد لنحو 900 كلم، ودولة نووية إسلامية لا تعترف بإسرائيل. وفي الوقت نفسه، يتمتع قائد جيشها، الجنرال عاصم منير، بعلاقة شخصية مع ترامب، الذي استقبله في واشنطن خلال ذروة التصعيد في حزيران/يونيو 2025. هذا التوازن معطوفاً على واقع ديموغرافي وإثني وطائفي معقّد ومتشابك، جعل من باكستان وسيطاً مقبولاً، فطرحت مبادرة لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وافق عليها ترامب، معلناً وقف العمليات وفتح مضيق هرمز في 8 نيسان/أبريل.
لماذا هدنة الأسبوعين؟ لم تكن الهدنة قراراً إنسانياً بقدر ما كانت ضرورة عملية: مئات الطائرات الأميركية والإسرائيلية من طرازات F-15 وF-16 وF-35 وA-10 شاركت في عمليات مكثفة، تجاوز عدد طلعاتها 41 ألف طلعة، ما يستدعي صيانة شاملة تحتاج وقتاً لا يتوفر إلّا في هدنة. نحو 800 سفينة مدنية بقيت عالقة داخل الخليج، بانتظار فتح مضيق هرمز للعودة إلى وجهاتها. شهدت أسواق الطاقة اضطراباً حادّاً، مع تراجع أسعار النفط والغاز، ما دفع الدول إلى استغلال الهدنة لإعادة بناء احتياطاتها. ارتفعت أسعار المحروقات في الولايات المتحدة، على مسافة أشهر قليلة من الانتخابات النصفية الأميركية.
السؤال الأخطر: هل تمثل هذه الهدنة نهاية جولة، أم مجرد استراحة تكتيكية؟ هل يسعى ترامب إلى تثبيت وقف إطلاق النار، أم إلى إعادة ترتيب أوراقه تمهيداً لضربة جديدة؟ التجربة القريبة تقدم إجابة مقلقة: من لدغ إيران ثلاث مرات، لن يتردد في لدغها مرة رابعة... وربما قبل انتهاء مهلة الأسبوعين. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمتلك إيران هذه المرة ما يكفي لتفادي الخديعة القادمة؟

* عميد ركن متقاعد