جنوب لبنان بين تضحيات التاريخ وواجب الدولة: نحو إطار دستوري وتشريعي
الدكتور حسين محمود رمال(*)
قال الإمام موسى الصدر: «لن نقبل أن يبتسم لبنان ويبقى جنوبه متألماً». ولم تكن هذه العبارة تعبيراً عاطفياً، بل رؤية وطنية تؤكد أن استقرار الدولة يبدأ من حماية أطرافها، وأن الجنوب يشكل معياراً حقيقياً لقدرة الدولة على ممارسة سيادتها وصون وحدة إقليمها.
منذ عام 1948 دخل جنوب لبنان مرحلة استثنائية فرضت عليه أعباءً سياسية وأمنية جسيمة. فبعد مشاركة لبنان في الحرب العربية ـ الإسرائيلية، جاءت اتفاقية الهدنة لعام 1949 لتوقف العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية، لكنها لم تعالج تداعيات قيام دولة إسرائيل وما رافقه من لجوء فلسطيني إلى لبنان. ومع هزيمة عام 1967، انتقلت آثار الصراع بصورة متزايدة إلى الداخل اللبناني، حتى جاء اتفاق القاهرة سنة 1969 مانحاً الفصائل الفلسطينية امتيازات أمنية وعسكرية داخل الأراضي اللبنانية، الأمر الذي أضعف ممارسة الدولة لاختصاصاتها السيادية، وأوجد ازدواجية في السلطة والسلاح، وأسهم في تهيئة الظروف التي انتهت إلى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.
وفي موازاة ذلك، تعرض الجنوب لاعتداءات إسرائيلية متكررة، كما شهد تجاوزات من بعض الفصائل الفلسطينية مست السيادة الوطنية وأمن المواطنين، فوجد أبناء الجنوب أنفسهم بين احتلال خارجي واضطرابات داخلية وتراجع واضح في حضور الدولة. وفي تلك المرحلة برز الإمام موسى الصدر بمشروع وطني يقوم على دعم القضية الفلسطينية مع التمسك الكامل بسيادة لبنان، ورفض تحويل الجنوب إلى ساحة تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية والدولية.
إن استحضار هذه المرحلة لا يراد منه استعادة الماضي بقدر ما يهدف إلى استخلاص الدروس الدستورية؛ فالتاريخ في بناء الدول مصدر للتشريع، والدولة التي لا تحول تجاربها إلى ضمانات قانونية تبقى معرضة لتكرار الأزمات.
أولاً: تداعيات القضية الفلسطينية على جنوب لبنان بين مقتضيات التضامن العربي وحدود السيادة الوطنية وقف لبنان منذ عام 1948 إلى جانب القضية الفلسطينية انطلاقاً من اعتبارات قومية وإنسانية ومن التزامه بمبادئ القانون الدولي الداعمة لحق الشعوب في تقرير مصيرها. غير أن هذا الالتزام كان يفترض أن يبقى ضمن الأطر الدستورية التي تجعل الدولة صاحبة الاختصاص الحصري في إدارة الأمن والدفاع والسياسة الخارجية.
إلا أن تطور الأحداث أدى إلى انتقال الصراع إلى الداخل اللبناني، حتى أصبح الجنوب يتحمل أعباء نزاع إقليمي لا نزاعاً داخلياً. وهنا برزت الإشكالية الدستورية؛ إذ لا يجوز لأي دولة، مهما بلغت درجة تضامنها مع القضايا العادلة، أن تسمح بقيام سلطات موازية تنازعها اختصاصاتها السيادية.
وقد شكّل اتفاق القاهرة محطة مفصلية، لأنه أخرج جزءاً من القرار الأمني والعسكري من إطار المؤسسات الشرعية، فأضعف سيادة الدولة على جزء من إقليمها، وكرّس واقعاً استثنائياً انعكس على الأمن والاستقرار ووحدة السلطة العامة. والسيادة ليست مفهوماً سياسياً مجرداً، بل اختصاص قانوني حصري تمارسه الدولة على كامل أراضيها، وأي انتقاص من هذه الحصرية ينعكس مباشرة على انتظام النظام الدستوري وحماية حقوق المواطنين.
ومن ثم، أثبتت تجربة الجنوب أن غياب الدولة، مهما ارتبط بشعارات كبرى، يؤدي في النهاية إلى إضعاف الدولة نفسها، وأن نصرة القضايا العربية لا يمكن أن تكون على حساب الكيان الدستوري اللبناني.
ثانياً: الجنوب اللبناني بين المقاومة المشروعة وواجب الدولة في احتكار السلطة الشرعية
تعرض جنوب لبنان لاحتلال واعتداءات إسرائيلية متكررة، الأمر الذي يجعل مقاومة الاحتلال حقاً مشروعاً وفق قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وقد حمل أبناء الجنوب السلاح دفاعاً عن أرضهم وكرامة وطنهم، و دفاعاعن دولتهم و عن الشرعية التي يؤمنون بها و ليسوا بديلا عنها،وقدموا آلاف الشهداء والجرحى، وتحملت قراهم أثماناً باهظة من التهجير والدمار.
غير أن خصوصية التجربة اللبنانية تتمثل في أن هذه التضحيات يجب أن تتحول إلى عنصر يعزز الدولة لا بديلاً عنها. وهذا ما دعا إليه الإمام موسى الصدر، الذي سعى إلى جعل المقاومة في خدمة الدولة، والدفاع عن فلسطين منسجماً مع الدفاع عن سيادة لبنان ووحدة قراره الوطني.
ومن هنا، فإن المراجعة القانونية لهذه التجربة لا تهدف إلى محاكمة التاريخ، وإنما إلى ترسيخ قواعد دستورية تمنع مستقبلاً أي فراغ في السلطة أو أي مساس بوحدة القرار الوطني أو أي تحويل لأي جزء من الأراضي اللبنانية إلى ساحة لصراعات الآخرين.
ثالثاً: نحو تشريع وطني خاص لحماية جنوب لبنان وترسيخ الحضور الدستوري للدولة.
إن أبرز ما تكشفه التجربة اللبنانية منذ عام 1948 هو أن حماية الجنوب لا تتحقق بردود الفعل أو بتركه رهينة التحولات الإقليمية، وإنما بقيام الدولة اللبنانية بمسؤولياتها الدستورية كاملة. فالدستور لا يميز بين منطقة وأخرى، والسيادة لا تتجزأ، والإقليم اللبناني يشكل وحدة قانونية وسياسية واحدة لا تقبل الانتقاص.
وانطلاقاً من ذلك، تبرز الحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء سياسة تشريعية دائمة تجاه الجنوب، تنطلق من اعتباره ركناً أساسياً من أركان الأمن الوطني. فالدول الراسخة لا تكتفي بمعالجة نتائج الأزمات، بل تحول التجارب التاريخية إلى قواعد قانونية تحول دون تكرارها.
ولا يعني ذلك إنشاء وضع قانوني استثنائي للجنوب، بل إقرار قانون أو منظومة تشريعية تؤكد بصورة صريحة أن جنوب لبنان جزء لا يتجزأ من الإقليم الوطني، وأن الدولة ملتزمة التزاماً دستورياً دائماً بحمايته وتعزيز حضورها الكامل فيه عسكرياً وأمنياً وإدارياً وإنمائياً.
ويجب أن يقوم هذا التشريع على مبادئ واضحة، في مقدمتها مسؤولية السلطات الدستورية كافة عن حماية الجنوب، واعتبار أي فراغ في حضور الدولة إخلالاً بواجباتها الدستورية. كما ينبغي أن يكرس التزام الدولة بتحقيق التنمية المتوازنة، ودعم صمود السكان، وتأمين البنية التحتية والخدمات العامة، وتعويض المتضررين من الاعتداءات، ورعاية عائلات الشهداء والجرحى، لأن الوفاء للتضحيات لا يكون بالشعارات، وإنما بضمان الحقوق التي يكفلها القانون.
وفي المقابل، يجب أن يحسم المشرع بصورة قاطعة أن الجنوب اللبناني ليس ساحة لأي صراع خارجي أو ميداناً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وأن جميع الأنشطة التي تمس سيادة الدولة أو أمن المواطنين تخضع حصراً للقانون اللبناني وللقرارات الصادرة عن المؤسسات الدستورية المختصة. فالسيادة اختصاص حصري للدولة، ولا يجوز أن تكون محلاً للمشاركة أو التجزئة.
ولا يتعارض هذا النهج مع حق لبنان في مقاومة الاحتلال الذي يقره القانون الدولي، بل يؤكد أن ممارسة هذا الحق يجب أن تظل منسجمة مع المصلحة الوطنية العليا، وأن يكون هدفها حماية الأرض والسيادة والإنسان اللبناني، بعيداً عن أي توظيف يتجاوز الإرادة الوطنية.
وفي هذا الإطار، تكتسب مقولة الإمام موسى الصدر: «لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه» بعداً دستورياً عميقاً، لأنها تؤكد أن الدولة لا يجوز أن تترك أي منطقة تواجه مصيرها منفردة، وأن حماية الجنوب ليست مسألة مناطقية، بل جزء من حماية الكيان اللبناني بأكمله.
لقد أثبت أبناء الجنوب، عبر عقود طويلة، أن انتماءهم للبنان لم يكن موضع مساومة، وأنهم تحملوا من التضحيات ما يفوق الوصف دفاعاً عن أرضهم ووطنهم. ومن ثم، فإن أقل ما تلتزم به الدولة تجاههم هو تحويل هذا الوفاء إلى التزام قانوني دائم، بحيث يصبح الجنوب نموذجاً لنجاح الدولة في احتضان مواطنيها وصيانة سيادتها.
وبناءً عليه كاستنتاج
إن استحضار تاريخ جنوب لبنان لا يراد منه إحياء الانقسامات أو تحميل المسؤوليات لجيل مضى، وإنما ترسيخ قاعدة دستورية مؤداها أن تراجع الدولة عن ممارسة سيادتها على أي جزء من إقليمها يفتح الباب أمام تدخلات يصعب احتواؤها لاحقاً. وقد أثبتت التجربة الممتدة منذ عام 1948، مروراً باتفاق القاهرة والحرب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي، أن الجنوب كان الأكثر تحملاً لأعباء صراعات تجاوزت حدوده، فيما قدم أبناؤه تضحيات استثنائية دفاعاً عن لبنان.
ومن هنا، تقتضي المسؤولية الوطنية الانتقال من منطق المعالجة الظرفية إلى منطق البناء المؤسسي، عبر سياسة تشريعية ثابتة تجعل حماية جنوب لبنان واجباً دستورياً دائماً، وتكرس حضور الدولة بكامل مؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية والإنمائية، وتمنع بصورة حاسمة تحويله إلى ساحة لأي مشروع خارجي، أياً كان مصدره أو شعاره.
فحماية الجنوب ليست امتيازاً لمنطقة دون أخرى، بل هي حماية للبنان كله، لأن حدوده الجنوبية هي حدود الدولة، وسيادتها هي سيادة الوطن، وأمن أبنائه جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني. وعندما ينهض الجنوب في ظل دولة قوية وعادلة تمارس سلطتها على كامل إقليمها، يكون لبنان أكثر قدرة على تثبيت سيادته وصون وحدته الوطنية والوفاء لتضحيات أبنائه الذين أثبتوا، بالفعل قبل القول، أن انتماءهم الأول والأخير كان وسيبقى للبنان الدولة والوطن.
(*) باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي والدستوري






