البروفيسور حسن الموسوي (*)
ليست الجامعة في أي مجتمع مجرد مبنى تُلقى فيه المحاضرات أو تُمنح فيه الشهادات، بل هي أحد أكثر المؤشرات دقة على صحة الاقتصاد واستقرار المجتمع وقدرته على إنتاج مستقبله. فعندما تضطرب الجامعات، لا يكون الخلل تربويًا فقط، بل اقتصاديًا واجتماعيًا في العمق. ومن هنا، فإن ما تعيشه الجامعات اللبنانية اليوم لا يمكن قراءته باعتباره أزمة تعليم فحسب، بل بوصفه انعكاسًا مباشرًا لانهيار اقتصادي طويل حوّل الحق في التعليم العالي من مسار طبيعي للترقي الاجتماعي إلى عبء مالي يهدد الأسر، ويعيد رسم مستقبل الطبقة الوسطى في لبنان.
منذ عام 2019، دخل لبنان واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث. فقد قدّر البنك الدولي أن الانكماش التراكمي في الناتج المحلي الحقيقي تجاوز 38% بحلول نهاية عام 2024، فيما تآكلت القدرة الشرائية وانخفضت القيمة الفعلية للأجور بصورة غير مسبوقة. وفي هذا السياق، لم تكن الجامعات بمنأى عن الانهيار، بل كانت في قلبه: الأستاذ الجامعي الذي كان يشكل ركيزة الاستقرار الأكاديمي وجد نفسه أمام دخل فقد جزءًا كبيرًا من قيمته، والطالب الذي كان يرى في الجامعة طريقًا مضمونًا نحو المستقبل بات يواجه سؤالًا أشد إلحاحًا: هل يستطيع الاستمرار في الدراسة؟
لقد تحوّلت كلفة التعليم العالي إلى واحدة من أكثر الضغوط المباشرة على الأسر اللبنانية. فالرسوم الجامعية، سواء في الجامعات الخاصة أو حتى في النفقات المرافقة للجامعة الرسمية من نقل وكتب وسكن واتصالات، أصبحت تفوق قدرة شريحة واسعة من العائلات. ولم تعد أزمة التعليم مرتبطة بالأقساط وحدها، بل بكلفة الوصول إلى الجامعة نفسها. وهنا تظهر المفارقة القاسية: في بلد يحتاج إلى مزيد من الكفاءات والاختصاصات للخروج من أزمته، يصبح الوصول إلى التعليم نفسه امتيازًا لا حقًا.
أما الجامعة اللبنانية، باعتبارها الجامعة الوطنية والملاذ الأساسي لأبناء الطبقات الوسطى وذوي الدخل المحدود، فقد وجدت نفسها في قلب العاصفة لا على هامشها. فمن جهة، ارتفع الضغط عليها نتيجة انتقال أعداد متزايدة من الطلاب إليها بعد تعذّر الاستمرار في كثير من الجامعات الخاصة، ومن جهة أخرى، تواجه تحديات مالية وإدارية ناتجة عن الأزمة العامة التي أصابت مؤسسات الدولة كافة. ومع ذلك، ما تزال الجامعة اللبنانية تؤدي دورًا وطنيًا محوريًا في حماية الحق في التعليم العالي، وفي الحفاظ على الحد الأدنى من العدالة التعليمية والاجتماعية. فهي لم تعد فقط مؤسسة تعليمية، بل أصبحت خط الدفاع الأخير عن فكرة العدالة التعليمية في بلد تتآكل فيه فرص الطبقة الوسطى يومًا بعد يوم. ومن هنا، لا يكون المطلوب مساءلة الجامعة بقدر ما يكون المطلوب دعمها وتمكينها، لأنها ليست جزءًا من المشكلة، بل جزء أساسي من الحل.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الجهود التي تبذلها رئاسة الجامعة اللبنانية للحفاظ على استمرارية التعليم رغم حجم الضغوط المالية والإدارية والاستثنائية التي فرضتها الأزمة. فإدارة الاستمرار في مؤسسة وطنية بهذا الحجم ليست مهمة تقنية عابرة، بل مسؤولية وطنية تتطلب موازنة دقيقة بين الإمكانات المحدودة وحق الطلاب في التعليم، وبين ضرورات الصمود الأكاديمي ومتطلبات العدالة التعليمية.
ولا تقل أزمة الأساتذة خطورة عن أزمة الطلاب. فهجرة الكفاءات الأكاديمية لم تعد احتمالًا بعيدًا، بل أصبحت واقعًا ضاغطًا. وفي الجامعة الأميركية في بيروت، وورد في سياق الأزمة إلى أن أكثر من 20% من الكادر الطبي والبحثي والتعليمي غادروا لبنان. وهذا المؤشر، وإن كان يخص مؤسسة واحدة ولا يجوز تعميمه آليًا على كل الجامعات، يكشف حجم النزف الذي أصاب رأس المال الأكاديمي في البلاد. فأستاذ الجامعة الذي يحمل خبرة علمية طويلة لم يعد يقارن بين فرص أكاديمية، بل بين إمكانية العيش الكريم داخل الوطن أو خارجه. وعندما تخسر الجامعة أستاذها، فهي لا تخسر موظفًا، بل تخسر ذاكرة معرفية، وتراكمًا بحثيًا، واستثمارًا طويل الأمد لا يُعوّض بسهولة.
وتنعكس هذه الأزمة مباشرة على سوق العمل. فضعف التعليم العالي لا يعني فقط تراجع المستوى الأكاديمي، بل يعني أيضًا اتساع الفجوة بين ما يحتاجه الاقتصاد وما تخرّجه المؤسسات التعليمية. فحين تتراجع جودة التأهيل، ويغيب الاستثمار في الاختصاصات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والمهارات التطبيقية، يصبح التعليم أقل قدرة على حماية الشباب من البطالة، وأكثر ارتباطًا بإعادة إنتاج الهشاشة نفسها التي يفترض أن يعالجها.
وعند هذا الحد، لا يعود الخلل في ارتفاع الأقساط أو ضعف الرواتب وحده، بل في تغيّر وظيفة التعليم العالي نفسها. فالجامعة، التي كانت تاريخيًا أداة للعدالة الاجتماعية والحراك الطبقي، مهددة اليوم بأن تتحول إلى مساحة فرز اجتماعي جديد: تعليم جيد لمن يملك القدرة المالية، وخيارات أضعف أو انقطاع كامل لمن لا يملكها. وهذا ليس خللًا تربويًا فحسب، بل تهديد مباشر لبنية المجتمع واستقراره.
إن معالجة هذه الأزمة لا تبدأ بالشعارات، بل بإعادة تعريف التعليم العالي كأولوية اقتصادية وطنية لا كبند ثانوي في الموازنة. فالجامعة ليست كلفة إضافية على الدولة، بل جزء من بنية الإنتاج الوطني. وكل تراجع في قدرتها على التعليم والبحث والتأهيل هو تراجع في قدرة الاقتصاد نفسه على النهوض. ولا إنقاذ جديًا من دون حماية الجامعة الرسمية عبر تمويل مستقر وعادل، لا يضمن بقاء المؤسسة شكليًا فحسب، بل يمكّنها من تحديث بنيتها الأكاديمية والإدارية والتكنولوجية. وهذا يتطلب تخصيص موارد واضحة للتجهيزات الرقمية، والمختبرات، والبحث العلمي، وتطوير البرامج، بدل ترك الجامعة تدير أزمتها عامًا بعد عام بمنطق الحد الأدنى.
ولا يقتصر الدور المطلوب على الدولة وحدها، بل يشمل أيضًا الجهات المانحة والمؤسسات الدولية، عبر توجيه جزء من الدعم نحو التعليم العالي الرسمي، لا بوصفه إنفاقًا اجتماعيًا تقليديًا، بل استثمارًا في رأس المال البشري، وحمايةً للكفاءات، ولحق الطلاب في البقاء داخل مسار التعليم.
إن إنقاذ الأستاذ الجامعي ليس مطلبًا نقابيًا فحسب، بل شرط أساسي لحماية رأس المال البشري الوطني. وفي الجامعة اللبنانية على وجه الخصوص، تكتسب هذه المسألة بعدًا أكثر حساسية، لأن الأستاذ المتفرغ لا يُطلب منه فقط أداء دوره الأكاديمي والبحثي الكامل، بل يُمنع عليه قانونًا ممارسة أي عمل آخر خارج إطار الجامعة. وهذا يعني أن راتبه وتعويضاته وتقديماته الصحية والاجتماعية ليست مسألة مطلبية عابرة، بل شرط أساسي لحفظ كرامته المهنية واستقلاله الأكاديمي. فالجامعة التي تريد أستاذًا متفرغًا للإنتاج العلمي لا تستطيع أن تدفعه عمليًا إلى البحث عن وسائل البقاء بدل التفرغ للمعرفة.
ولا يكتمل الإنقاذ من دون حماية الطالب من الانقطاع عن الدراسة. ويبدأ ذلك بسياسات دعم ذكية تقوم على منح موجهة للطلاب الأكثر حاجة، ودعم النقل الجامعي، وقروض تعليمية ميسّرة ومدروسة، وشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص لتأمين فرص تدريب وعمل جزئي منظّم. فتمويل التعليم يجب أن يُفهم كاستثمار طويل الأجل في الإنتاجية الوطنية، لا كعبء مالي قصير الأمد.
أما ربط التعليم بالاقتصاد الحقيقي، فيتطلب مراجعة البرامج التعليمية، وتعزيز التعليم المهني والتطبيقي، ودمج مهارات الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال والتحول التكنولوجي ضمن البنية الأكاديمية. فالأزمة لا تُعالج فقط بزيادة التمويل، بل أيضًا بتحديث وظيفة الجامعة نفسها، بحيث لا تبقى الشهادة منفصلة عن فرصة العمل، ولا يبقى التعليم العالي بعيدًا عن حاجات الإنتاج والابتكار.
ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح من دون إدارة جامعية أكثر مرونة وكفاءة، لا تكتفي بإدارة الندرة، بل تحوّل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الشراكات، واستقطاب التمويل البحثي، وربط الجامعة بحاجات المجتمع والاقتصاد. فالمطلوب لم يعد إدارة البقاء، بل إدارة إنقاذ بمنطق الأولويات.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس: كيف نحافظ على الجامعات؟ بل: أي اقتصاد نريد أن نبنيه من دون جامعة قوية؟ فالدول لا تنهض فقط بإعادة إعمار الحجر، بل بإعادة إنتاج المعرفة، وحماية العقول، ومنح الشباب سببًا للبقاء لا مجرد فرصة اللهجرة.
ولهذا، فإن إنقاذ التعليم العالي في لبنان ليس قضية جامعية ضيقة، بل قضية سيادة اقتصادية واجتماعية كاملة. لأن المجتمعات لا تُقاس فقط بما تملكه من بنى تحتية، بل بما تملكه من قدرة على إنتاج مستقبلها. وعندما يصبح التعليم رفاهية، يصبح المستقبل نفسه مهددًا.
(*)أستاذ جامعي وخبير في الشؤون الاقتصادية والمالية