كان من الطبيعي أن يشمل الاتفاق الأميركي – الإيراني بوقف الحرب لبنان كونه أكثر جبهة مباشرة ساخنة ومؤثرة مع إسرائيل، وكانت تُربِك مسار مفاوضات إسلام اباد وقبلها المفاوضات في جنيف، لأنه كان شرطاً أساسياً من شروط إيران لتوقيع الاتفاق مع واشنطن طالما ان الموقف الأميركي الذي كان يعبّر عنه الرئيس ترامب ركّز على وقف كل حروب الشرق الأوسط لضمان انسياب الطاقة الى دول العالم وزيادة الاستثمارات والمشاريع الأميركية المشتركة مع كثير من دول المنطقة.
وعلى هذا لبّى شمول لبنان الاتفاق الأميركي- الإيراني المطلبين الأميركي والإيراني، وأيضاً مطالب دول الخليج العربي وبعض الدول الأوروبية لا سيما فرنسا، التي دفعت بقوة خلال المفاوضات لوقف الحرب في جبهة لبنان بالتوازي مع وقفها على الجبهات الأخرى. ولعلّ الموقف الشخصي الحادّ الذي اتخذه الرئيس ترامب من رئيس وزراء كيان الاحتلال نتنياهو وتوجيه انتقادات وتعابير لفظية حادّة له، يعبّر عن رغبة أميركية حقيقية في تهدئة جبهة لبنان الى الحد الأقصى الممكن، ولو ان ترامب لم يقطع الخيط نهائياً مع نتنياهو عبر السماح له بمواصلة القتال في الجنوب، لكن بالحد الأدنى ليحفظ له ولجيش الاحتلال ماء الوجه أمام حملات المعارضة التي انتقدت الاتفاق مع إيران وشموله لبنان.
ومع ذلك يبقى الأهم بالنسبة للبنان أن يواصل ترامب ممارسة ضغوطه على كيان الاحتلال لوقف القتال نهائياً، ووقف احتلال مزيد من الأراضي واستهداف المدنيين وتدمير الأبنية فوق رؤوس قاطنيها لا سيما في المناطق الواقعة خارج ما يُسمّى «الخط الأصفر» مثل مدينة صور وقراها ومدينة النبطية وقراها عدا عن استهداف مدينة صيدا ومنطقة الزهراني. ويبدو ان ترامب يفضّل أن يكون هذا الأمر من ضمن جلسة المفاوضات بين لبنان وكيان الاحتلال يوم 23 الشهر الجاري في واشنطن، وهو أمر من شأنه أن يطيل معاناة المدنيين ويزيد من حجم الدمار ولو كان من دون أي مردود عسكري أو سياسي إيجابي فعلي على كيان الاحتلال، كون جنوده ومستوطناته ما زالوا ضمن استهداف المقاومة، وما زال ضباطه وجنوده يتساقطون يومياً في نزيف عسكري حاد لجيش الاحتلال.
والغريب ان لبنان الرسمي برغم إقراره بالتأثير الإيجابي للاتفاق الأميركي – الإيراني لوقف الحرب، إلّا انه لا زال في حالة إنكار سياسي للإستفادة من تضمين الاتفاق أهم مطالب لبنان، عبر الطلب من الإدارة الأميركية الضغط الجدّي والفعّال مع آلية تنفيذية لوقف العدوان على مناطق الجنوب، كمرحلة أولى تمهيدية لجولة المفاوضات المقبلة المفترض أن تناقش بعد وقف القتال تفاصيل تقنية حول الانسحابات وانتشار الجيش، لكن ليس بالشروط الإسرائيلية المتشدّدة، بل بما يضمن تحقيق الانسحاب الإسرائيلي ونشر الجيش وفق الرؤية اللبنانية المفترض أن تكون منسقة مع الجانب الأميركي. ولا سيما ان إيران هدّدت بالتراجع عن الاتفاق مع واشنطن ما لم يتوقف العدوان الإسرائيلي. وما لم يفعل لبنان ذلك ستبقى إسرائيل تناور وتراوغ وتكسب الوقت وتمارس المزيد من القتل والتدمير على كامل مساحة لبنان وتحاول عبر احتلال أراضٍ جديدة لا سيما في منطقة النبطية، فرض وقائع ميدانية – عسكرية جديدة ومؤثرة في مسار المفاوضات لإطالة أمد المناقشات بالتوازي مع توسيع مساحة الاحتلال، وذلك لممارسة مزيد من الضغوط على لبنان. وهنا لا بد من الإشارة ان المسؤولية السياسية والأخلاقية الأكبر تقع على عاتق وضمير الوسيط الأميركي إذا تجاهل هذه الوقائع التي تحاول إسرائيل فرضها، وتجاهل هدف لبنان الأساسي بتحرير أرضه.
والغريب أيضا ان الرئيس ترامب بدل أن يسهم في تهدئة الوضع اللبناني بكافة تشعباته، حاول أن يرمي مشروع مشكل جديد بين لبنان وسوريا بمحاولة «تكليف الرئيس أحمد الشرع نزع سلاح حزب الله»، ولو ان البعض يعتقد ان اقتراحه هدفه إبعاد إسرائيل نهائياً عن الملف اللبناني، لكن «ليس هكذا تؤكل الكتف»، فهذا طلب يثير الحساسيات أكثر ويفتح جراحاً قديمة يحاول البلدان تجاوزها، كما ان سوريا رفضت هذا «التكليف» غير المشرّف، وان ترامب يعلم ان هذا الطلب غير قابل للتحقق.