بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 أيار 2026 12:15ص فيديو الإسفاف والانحطاط السياسي والأخلاقي: وكلاء طهران يستنجدون بالرسوم الهابطة لتعويض هزائمهم السياسية في بيروت

حجم الخط
لم يعد مستغرباً أن يبلغ الإفلاس السياسي لدى قوى الأمر الواقع في لبنان حداً يستبدل فيه العمل السياسي بالرسوم الهابطة، والنقاش الاستراتيجي بفيديوهات التنمّر الصبياني. إن الفيديو الكاريكاتوري المبتذل الذي استهدف مستشار وزير الخارجية السعودي للشأن اللبناني، الأمير يزيد بن فرحان آل سعود، يتجاوز بوقاحته سياق «السخرية الإعلامية» العابرة، ليتحول إلى وثيقة إدانة سياسية وأخلاقية تفضح عمق الأزمة البنيوية والذعر الحقيقي الذي يعيشه محور «الممانعة» أمام النجاحات الملموسة للدبلوماسية السعودية الوازنة على الأرض اللبنانية.
إن تفكيك أبعاد هذا السلوك الممنهج يكشف بوضوح أنه لا يستهدف شخص المبعوث السعودي فحسب، بل يرمي بوضوح إلى ضرب ما تبقى من جسور تربط الدولة اللبنانية بعمقه العربي التاريخي، وفق المحاور التحليلية التالية:

•الغوغائية التعويضية.. عجز المنطق أمام «مهندس المظلة»

تُعلمنا التجارب السياسية أن القوى المرتهنة للمشروع الإيراني العابر للحدود تلجأ إلى قاع الإسفاف الإعلامي كلما عجزت عن تقديم طروحات إنقاذية تخرج البلاد من نفقها المظلم، وكلما اصطدمت مشاريعها التعطيلية بحائط المساعي العربية والدولية الرصينة. من هنا، يأتي استهداف الأمير يزيد بن فرحان كعنوان لـ«غوغائية تعويضية» بائسة؛ فعندما يسقط منطق الحجة تبرز غريزة التشويه الشخصي.
إن هذا الاستهداف المأزوم يطال الرجل الذي أدار منذ مطلع عام 2025 «إنزالاً دبلوماسياً» اتسم بالحركة والمتابعة اللصيقة في بيروت، وقاد من خلف الكواليس اتصالات مكثفة أسهمت في تقريب وجهات النظر وإنهاء الفراغ الرئاسي بانتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، مرسخاً معادلة «الدولة أولاً». وحين تعجز البروباغندا الموجهة عن مواجهة إنجازات الأمير على رقعة الشطرنج السياسية بالمنطق والدليل، تهرب إلى الرسوم المتحركة لصناعة بطولات وهمية على الشاشات تعوض بها انحسارها الميداني والسياسي، وتحاول التغطية على فشلها في فرض شروطها على مؤسسات الدولة.

•ظاهرة «اليساري المرتد».. الارتزاق في حضن المذهبية

الأخطر في هذه الحملة الممنهجة أنها لا تصدر عن فضاء إعلامي حر أو نقد صحفي مسؤول، بل تُدار عبر غرف سوداء تابعة لحزب الله، وتنفذها أدوات ارتزاقية من طينة «اليساري المرتد». هؤلاء الذين يرفعون شعارات التقدمية والعلمانية زيفاً، يثبتون عند كل مفصل إقليمي أنهم مجرد أبواق مأجورة في خدمة «الحرس الثوري»، مستعدين لخلع المبادئ الكونية في ثوانٍ والعودة إلى أرذل صور الفئوية والعنصرية المذهبية الحاقدة، متلطين خلف عباءة طهران لتنفيذ أوامر العمليات السياسية.
«لقد فات هؤلاء المرتزقين أن زمن الرسائل الملتوية عبر القنوات الخلفية، والاتكال على «الاحتياطيين» من الصف العاشر في كواليس السياسة قد انتهى إلى غير رجعة، وأن قواعد الاشتباك الدبلوماسي قد تغيّرت بالكامل. إن قرار السلطة اللبنانية والقوى السيادية الحية المحصّن بدعم عربي جامع وبأعلى درجات التنسيق والمتابعة اللصيقة في مقدمته المملكة العربية السعودية، قد اتُّخذ بشكل مبرم وقاطع لاستعادة الدولة وقرارها المركزي، وبسط سيادة مؤسساتها الشرعية، وعلى رأسها الجيش اللبناني، كخيار وحيد لا شريك له ولا بديل عنه.
ولم يعد هناك أي متسع للمناورات الصبيانية أو الابتزاز العابر للحدود؛ فالحسم الدبلوماسي والميداني الذي تقوده الرياض مع حلفائها الدوليين أرسى معادلة واضحة: إما دولة حقيقية تملك وحدها قرار الحرب والسلم، وإما السقوط الكامل لرهانات الوكالة والارتهان. إن حراك الأمير يزيد بن فرحان على الأرض اللبنانية، مدعوماً بقرارات «الخماسي الدولي»، جاء ليقطع أوردة التلاعب التي اقتاتت عليها غرف الممانعة السوداء لسنوات، واضعاً منظومة السلاح غير الشرعي وأبواقها المأجورة في الزاوية الضيقة، مواجهةً إفلاسها أمام وعي اللبنانيين وعروبتهم.

•العزل الممنهج لمواجهة الزخم الدولي للرياض

يكشف التوقيت المشبوه لهذه الإساءة عن الأهداف الاستراتيجية الكامنة وراءها؛ إذ تأتي هذه الرسوم الهابطة بالتزامن مع حراك استراتيجي يقوده الأمير يزيد، وفي اللحظة التي يتحرك فيها الأمير يزيد لتثبيت خطوط الحماية حول الدولة اللبنانية وعزلها عن تداعيات الحرب الإقليمية الشاملة بالتنسيق المتزامن مع وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان في واشنطن، يتحرك وكلاء طهران لجر هذا الدور الإنقاذي إلى مستنقع الانقسام اللبناني الضيق. الهدف هنا مكشوف: محاولة يائسة لفرملة الزخم السعودي وعزل لبنان عن «الخماسي الدولي» (الذي يضم الرياض وواشنطن وباريس والدوحة والقاهرة) لحساب أجندات توسعية غريبة لا ناقة للبنانيين فيها ولا جمل، حتى لو كان الثمن تدمير ما تبقى من مقومات اقتصادية واجتماعية للبلد.

• فصام «السيادة» تحت مظلة السلاح غير الشرعي

تبدو المفارقة أقرب إلى الفصام السياسي الحاد؛ إذ تصدر هذه الحملات المبتذلة عن بيئات سياسية وإعلامية لا تتوقف عن ترديد شعارات «السيادة الوطنية والكرامة» و«رفض الوصاية». فكيف يستقيم ادعاء الحرص على سيادة بلد، بينما يتم استباحة الأعراف الدبلوماسية وأبسط قواعد احترام العلاقات بين الدول جهاراً نهاراً؟
إن من يستسهل التجريح بممثل دولة وازنة بحجم المملكة العربية السعودية والذي يقف على مسافة واحدة من جميع المكونات اللبنانية، لا يمارس عملاً سيادياً أو مقاومة إعلامية، بل يمارس خيانة استراتيجية لمصالح اللبنانيين العليا. إن هذا السلوك الانتحاري يهدد بقطع أوردة الحياة المتبقية للبنان، ويضرب عرض الحائط بمصالح مئات الآلاف من العائلات اللبنانية التي تعيش بفضل العمق العربي والخليجي، مقدماً القرابين الإعلامية لسياسات الهيمنة الإيرانية.

•الابتذال بوصفه طعنة للإرث الصحفي اللبناني

إن محاولة التلطي خلف «حرية الصحافة والتعبير» لتبرير هذا السقوط الأخلاقي والمهني هي طعنة مسمومة لشهداء الصحافة اللبنانية الذين دفعوا دماءهم ثمناً للكلمة الحرة والمسؤولة. الصحافة الحقيقية هي التي تنتقد بالمعلومة، وتجابه بالدليل، وتفكك الخيارات السياسية بالمنطق، وليست تلك التي تتحول إلى مصنع للشتائم المذهبية المبطنة والأحقاد التاريخية. إن هذا التوظيف المأجور للصورة والكاريكاتور يعكس إفلاساً في أدوات المواجهة، ويثبت أن محور التعطيل بات يضيق ذرعاً بالدبلوماسية الرصينة التي تكشف عورات مشروعه الهدام أمام الرأي العام اللبناني والعربي.

•ثقل الأفعال في مواجهة ضجيج الرسوم الخائفة

إن التاريخ القريب والبعيد يؤكد أن الدور السعودي في لبنان لم يكن يوماً خاضعاً لمنطق الابتزاز، أو السعي وراء نفوذ آني، بل كان دائماً حبل النجاة ومظلة الأمان الشاملة الشاخصة نحو قيام دولة المؤسسات والحد من الانهيار. ولذلك، فإن محاولات الخدش الإعلامي الصبيانية لن تغير من الحقيقة شيئاً.
فالأشخاص الوازنون كالأمير يزيد بن فرحان يفرضون حضورهم بمنطق الأفعال والرؤى الاستراتيجية الثابتة على الطاولات الرسمية والمؤتمرات الدولية، بينما لا يملك خصوم الاستقرار وبناء الدولة سوى لغة الضجيج الأجوف وإيقاظ الأحقاد الدفينة. لقد ارتد السهم على مطلقه، وتحول الكاريكاتور المأجور إلى وثيقة إدانة تفضح ذعر المنظومة وانكشافها السياسي والأخلاقي أمام حقيقة أن مشروع الفوضى والخراب لم يعد له مكان في وعي اللبنانيين وعروبتهم.