بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 حزيران 2026 12:05ص في صمت دولة الرئيس نبيه برّي... ما يتجاوز الكلام

حجم الخط
د. عبّاس حيدر

في السّياسة، ليس كلّ الصمت غياباً للموقف، بل قد يكون أحياناً أبلغ من الخطابات المرتفعة. ومن يقرأ تجربة دولة الرئيس نبيه بري يدرك أنّ الرجل ينتمي إلى مدرسة سياسية تقوم على إدارة التّوازنات لا على صناعة الضّجيج، وعلى تدوير الزّوايا لا على كسرها، خصوصاً في بلد معقّد مثل لبنان.
ثمّة من يرى في صمت الرئيس نبيه برّي في محطّات كثيرة نوعاً من الحذر السياسي، بينما يراه آخرون محاولة دائمة لحماية ما تبقّى من فكرة الدّولة ومنع الانهيار الكامل. لكنّ القراءة الأعمق تربط هذا السّلوك بما يعتبره كثيرون امتداداً لنهج الإمام السيّد موسى الصّدر، القائم على أولوية العيش المشترك، وبناء الدولة، ورفض تحويل الطوائف إلى جزر سياسية مغلقة.

أولاً: الصّمت كأداة سياسية لا كحالة ضعف

في التّجربة اللبنانية، اعتاد الناس على الخطاب الحادّ والانقسامات العمودية، لكن الرئيس برّي غالباً ما اعتمد سياسة «إدارة الوقت السياسي»، أي انتظار لحظة التّسوية بدل الانخراط في معارك الإلغاء.
هذا الصّمت لا يعني الحياد دائماً، بل أحياناً يعكس إدراكاً عميقاً لحجم التّشابك الدّاخلي والإقليمي.
فالرجل يدرك أنّ لبنان ليس ساحة داخلية فحسب، بل نقطة تقاطع لمشاريع دولية وإقليميّة متصارعة، من المشروع الأميركي إلى الإيراني... ومن الحسابات العربية إلى التّعقيدات الإسرائيلية. لذلك، كان يحاول غالباً إبقاء «الخيط اللبناني» قائماً، ولو بالحدّ الأدنى.

ثانياً: بين نهج الإمام الصدر وواقع المحاور

تميّز خطاب الإمام موسى الصدر بفكرة أساسية: «لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، ولا يمكن لأيّ طائفة أن تلغي الأخرى».
هذه الفكرة لم تكن شعاراً أخلاقياً فقط، بل مشروعاً سياسياً لبناء دولة عادلة وقادرة. وقد حاول الرئيس برّي، بحسب كثير من القراءات، الحفاظ على هذا الإرث داخل بيئة سياسية تغيّرت جذرياً بعد الحرب الأهلية، ثم بعد التّحولات الإقليمية الكبرى.
لكن الإشكاليّة الأساسية أنّ البيئة السياسية اللبنانية لم تعد تتحرك ضمن منطق الدّولة، بل ضمن منطق المحاور والارتباطات الخارجية. وهنا تظهر المعضلة:
هل يستطيع أيّ زعيم لبناني إعادة إنتاج مشروع وطني جامع في ظل الانقسام الإقليمي؟
وهل بقي القرار اللبناني مستقلاً بما يكفي لإعادة تصويب البوصلة الداخلية؟
هذه الأسئلة تجعل أيّ محاولة لإحياء نهج الإمام الصدر تصطدم بواقع شديد التعقيد.

ثالثاً: التعنّت الداخلي والارتباطات الخارجية

من أبرز العوامل التي أعاقت أيّ تسوية داخلية: الاصطفافات الطائفية الحادّة:
حيث باتت كلّ طائفة تخشى خسارة نفوذها أكثر من خوفها على الدولة نفسها.
الارتباط بالخارج:
فالكثير من القوى اللبنانية لم تعد تقرأ مصالحها من الداخل اللبناني فقط، بل من خلال حسابات إقليمية أوسع.
غياب مشروع وطني موحّد:
إذ تحوّل النقاش السياسي إلى صراع سلطات لا صراع رؤى لبناء الدولة.
في هذا السياق، بدا الرئيس برّي كمن يحاول إبقاء الحدّ الأدنى من الاستقرار، لا القدرة على إنتاج تغيير جذري.

رابعاً: بين الواقعية السياسية والاتّهامات التقليدية

خصوم الرئيس برّي يرون أنّه جزء من المنظومة التي أوصلت لبنان إلى أزماته الحالية، بينما كان من أكثر الشخصيات التي حاولت منع الانفجار الكامل، خصوصاً في لحظات الانقسام الحادّ.
وهنا تظهر إشكالية أساسية في الإعلام اللبناني: هل تتم قراءة الشخصيات السياسية ضمن سياقها التاريخي الكامل؟ أم فقط من زاوية الاصطفاف السياسي الحالي؟
فالسياسي في لبنان غالباً ما يتحرك داخل شبكة معقّدة من التوازنات، وليس ضمن قدرة مطلقة على القرار.

خامساً: هل ما زالت «البوصلة» ممكنة؟

السّؤال الأهم اليوم ليس فقط عن دور الرئيس برّي، بل عن مستقبل الفكرة التي حملها الإمام الصدر:
دولة القانون، العيش المشترك، العدالة الاجتماعية، حماية الفقراء، مقاومة الاحتلال، ومنع تحويل لبنان إلى ساحة صراعات.
هذه المبادئ تبدو اليوم أكثر صعوبة، لكنّها أيضاً أكثر حاجة من أيّ وقت مضى، لأنّ انهيار الدولة اللبنانية كشف مخاطر الطائفية السياسية حين تتحوّل إلى بديل عن الوطن.
لا يمكن قراءة مشروع الإمام موسى الصدر بعيداً عن فكرة المقاومة، لكنّ المقاومة في فكره لم تكن مشروعاً أيديولوجياً عابراً للحدود، ولا أداة لإدخال لبنان في صراعات المحاور، بل كانت فعلاً وطنياً دفاعياً مرتبطاً بحق اللبنانيين في حماية أرضهم وكرامتهم وسيادتهم.
لقد انطلق الإمام الصدر من معادلة واضحة:
«حين تغيب الدولة عن حماية الناس، يصبح الدفاع عن الأرض واجباً».
ومن هنا جاءت دعوته إلى مقاومة الاحتلال والحرمان معاً، باعتبار أنّ الكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية وجهان لقضية واحدة.
وفي هذا السياق، تأسست تجربة حركة أمل بوصفها امتداداً لفكرة الدفاع عن الإنسان اللبناني، لا مشروعاً انعزالياً أو تابعاً لقوى خارجية. وكان الإمام الصدر حريصاً على التأكيد أنّ السّلاح يجب أن يبقى ضمن وظيفة الحماية الوطنية، لا أن يتحوّل إلى عنصر انقسام داخلي أو وسيلة لربط لبنان بصراعات الآخرين.
وقد سار الرئيس نبيه بري على هذا الخطاب في محطّات عديدة، من خلال التشديد على حق اللبنانيين في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، بالتّوازي مع الحفاظ على فكرة الدّولة والعيش المشترك ومنع الانزلاق إلى الفتنة الدّاخلية. فالمقاومة، وفق هذا التّصور، ليست بديلاً عن الدولة، بل ضرورة فرضتها ظروف الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، على أن تبقى بوصلتها لبنانية لا إقليمية.
ومن هنا، يبرز الفارق بين «مقاومة لحماية الوطن» و«مشروع يرتبط بصراعات المحاور». فالإمام موسى الصّدر كان يرى أنّ قوة لبنان في وحدته الدّاخلية، وأنّ أيّ مقاومة تفقد بُعدها الوطني تتحوّل تدريجياً إلى عنصر انقسام بدل أن تكون عنصر حماية.
هذه القراءة تعيد طرح سؤال جوهري في الواقع اللبناني المعاصر:
كيف يمكن الحفاظ على حق الدفاع عن الأرض، وفي الوقت نفسه حماية القرار الوطني المستقل ومنع تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟
إنّها معادلة دقيقة حاول الإمام الصدر تأسيسها فكرياً وسياسياً، وسعى الرئيس نبيه برّي إلى الحفاظ عليها ضمن واقع لبناني وإقليمي شديد التّعقيد، حيث تتداخل المصالح الدّاخلية مع النفوذ الخارجي بصورة تجعل الحفاظ على «الهوية الوطنية للمقاومة» تحدّياً دائماً.
في صمت دولة الرئيس نبيه برّي الكثير من الرّسائل غير المعلنة؛ صمت رجل يعرف تعقيدات الدّاخل والخارج، ويحاول أحياناً إدارة الانهيار بدل القدرة على صناعة الحلّ الكامل. وبين من يراه حارساً لنهج الإمام الصدر، ومن يعتبره جزءاً من أزمة النّظام، يبقى النّقاش الحقيقيّ حول سؤال أكبر:
هل لا يزال في لبنان مكان لمشروع وطني جامع، أم أنّ البلاد دخلت نهائياً زمن المحاور والتّوازنات الهشّة؟