بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 نيسان 2026 12:05ص لبنان بين تعدّد الولاءات ووحدة الدولة: نحو قداسة الدولة الضامنة

حجم الخط
د. حسين محمود رمال*
 
ليس التحدّي في لبنان تعدّد الانتماءات بحدّ ذاته، بل في تحوّلها إلى ولاءات موازية تُنازع الدولة وظيفتها الأصلية. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة على قاعدة واحدة: قداسة الدولة الضامنة بوصفها دولة سيادة القانون، الحافظة للوطن كإقليم، وللشعب كجماعة سياسية، وللمؤسسات كضمانة للاستمرارية. فالدولة ليست إطاراً إدارياً فحسب، بل كيانٌ معياري يحتكر الشرعية ويؤمّن التوازن بين الحرية والنظام.

أولاً: من الولاء الحزبي المعلّب إلى التنافس على خدمة الدولة

الخلل البنيوي في التجربة اللبنانية يكمن في انتقال الولاء من الدولة إلى الحزب، بما حوّل الانتماء السياسي إلى إطار مغلق يُنتج عصبيات لا سياسات. المطلوب ليس إلغاء التعددية، بل إعادة توجيهها:
أن تتنافس الأحزاب على أفضل ما تقدّمه للدولة لا على ما تنتزعه منها.
أن يتحوّل الولاء إلى ولاء دستوري، حيث تكون الدولة مرجعاً نهائياً للشرعية.
في ضوء قواعد القانون الدولي، لا قيام لكيان سياسي خارج إطار الدولة ذات السيادة. فالإقليم لا يُحمى إلّا بسلطة واحدة، والشعب لا يُمثَّل إلّا بإرادة عامة، والسيادة لا تتجزأ دون أن تتآكل. وعليه، فإن تثبيت الولاء للدولة هو الشرط الأول لحفظ لبنان كوحدة إقليمية وسياسية معترف بها دولياً.

ثانياً: النهوض بالنصوص الدستورية من الجمود إلى الفعل

يتميّز لبنان بدستور يحمل في طيّاته عناصر فرادة: التوازن، التعدد، والميثاقية. غير أنّ هذه القيم بقيت، في كثير من الأحيان، حبيسة النص. المطلوب هو:
تفعيل الدستور لا تعديله اعتباطاً، عبر إعلاء مبدأ سيادة القانون.
استخراج سياسة خارجية من رحم الدستور، قائمة على مصلحة لبنان العليا، لا على محاور متبدّلة.
إن فرادة لبنان ليست شعاراً ثقافياً، بل قاعدة دستورية–سياسية يجب أن تنعكس في خياراته الدولية: حيادٌ إيجابيّ يحفظ دوره، وانفتاحٌ متوازن يعزّز مكانته، واستقلال قرار يجنّبه الارتهان.

ثالثاً: دروس التاريخ – من انتهاك السيادة إلى تقويض الدولة

تُظهر التجربة اللبنانية أنّ كلّ خرقٍ للسيادة يفتح الباب أمام انهيار البنية الوطنية. فقد شكّل اتفاق القاهرة 1969 نموذجاً لانزلاق الدولة نحو التنازل عن جزء من سيادتها، ما ساهم في تفجّر الحرب الأهلية. كما أنّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عمّق الانقسام وولّد وقائع موازية للدولة التي استقالت من وظيفتها كدولة في تثبيت سيادتها.
ثم جاء الانقسام بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار ليكرّس ثنائية سياسية حادّة، لم تنتج استقراراً بل مزيداً من التعطيل. وإلى جانب ذلك، أدّى مرسوم التجنيس 1994 الواجب إلغائه الجماعي والنظر بكل حالة على حدى بكل صرامة موضوعية تستجيب لقواعد لبنان الدولة التي تراعي مصلحة شعبها أصولا مرسوم ما زال اختلالاته وتداعياته قائمة فكثير من المشاكل غب الطلب في الداخل اللبناني من رحم هذا المرسوم، فيما يبقى مشروع التوطين التهديد الأشدّ مساساً بهوية لبنان وكيانه.
خلاصة هذه المسارات: كلّ خروج عن الدولة يُدخل «سمًّا قاتلاً» إلى الجسد اللبناني، ويُضعف قدرته على الاستمرار.

رابعاً: لبنان كـ«متناقض ضروري» في مواجهة الدولة العنصرية

تكمن فرادة لبنان في كونه نقيضاً حيًّا لنماذج الدول الإقصائية. فهو يقوم على التعدد، لا الإلغاء؛ وعلى الشراكة، لا الهيمنة. ومن هنا، لا يجوز الجمع بين لبنان الذي أسهم في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبين ممارسات تنتهك جوهره كما تفعل إسرائيل.
إنّ الحفاظ على هذا التناقض الإيجابي يفرض على لبنان أن ينأى بنفسه عن أي انخراط يناقض بنيته، وأن يبقى وفيًّا لرسالته كمساحة حرية وتنوّع، لا كساحة صراع بالوكالة.

خامساً: نحو الدولة المقدّسة الضامنة – فلسفة الاحتواء لا الازدواج

الدولة المقدّسة ليست دولة استبداد، بل دولة قانون تُحاط بهيبة الشرعية. قدسيتها تنبع من كونها:
الحارس الوحيد للسيادة،
الضامن لحقوق المواطنين،
الإطار الجامع لكلّ قوى المجتمع.
ضمن هذه الرؤية، لا تُعادى عناصر القوة في المجتمع، بل تُحتوى ضمن الدولة. فالشعب اللبناني، بكلّ مكوّناته، هو لحمة واحدة وأن تعددت الطرق لكن المؤدى واحد حب الله والوطن كما قال شامخ من بلادي ميخائيل نعيمة في النور و الديجور، ولا موجب لثلاثيات تفصل ما هو متّحد في الأصل. إنّ أيّ قوة خارج إطار الدولة تفقد مشروعيتها، وأيّ قوة داخلها تكتسب معناها من خضوعها للقانون وتحديدا المقاومة التي هي مقاومة كل اللبنانيين في الدفاع عن سيادة بلدهم.

سادساً: وحدة الشعب كأساس لوحدة الدولة

إنّ اختزال اللبنانيين في ثنائيات أو ثلاثيات يُضعف مفهوم الأمة القانونية. فالوحدة لا تعني التماثل، بل تعني الانتماء إلى مرجعية واحدة.
الشعب هو مصدر السلطات،
الدولة هي تجسيد هذا الشعب،
والمؤسسات هي أداته في الحكم.
من هنا، فإنّ إعادة الاعتبار لوحدة الشعب تُفضي حتماً إلى إعادة بناء الدولة على أسس صلبة.
و عليه، 
لبنان أمام مفترق تاريخي: إمّا الاستمرار في تعدّد الولاءات بما يُبقي الدولة هشّة، أو الانتقال إلى وحدة الولاء للدولة بما يؤسّس لمرحلة جديدة. إنّ قداسة الدولة الضامنة ليست فكرة نظرية، بل ضرورة وجودية: بها يُحفظ الإقليم، ويُصان الشعب، وتستمرّ المؤسسات. وبدونها، يبقى لبنان عرضةً لكلّ اختراق، فاقداً لفرادته ودوره.
إنّ النهوض الحقيقي يبدأ حين يُدرك اللبنانيون أنّ الدولة ليست خياراً بين خيارات، بل هي الشرط الأول لوجودهم المشترك ويشكّلون وجوبا جميعهم مقاومة عند الضرورة غرضها الدفاع عن الدولة السيدة الحرّة المستقلة دولة البحث العلمي التي تسمو بالبلاد إلى مصاف الدول المتقدمة .

* باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي