بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 نيسان 2026 12:10ص لبنان ما بين لعبة المفاوضات لاسترجاع حقوقه والخضوع إلى حيثيات الهزيمة

حجم الخط
ليست كل مفاوضاتٍ تُدار باسم «الحقوق» تؤدي بالضرورة إلى استعادتها. ففي علم العلاقات الدولية كما في تجارب النزاعات والحروب ثمة فارق جوهري بين مفاوضات تُبنى على قواعد القوة والندية والمؤسسات وأخرى تُدار تحت وطأة الهزيمة حيث تتحوّل إلى مسار لتكريس الخسارة لا معالجتها.
المفاوضات في تعريفها الكلاسيكي هي عملية تفاعلية بين أطراف تمتلك حدّاً أدنى من عناصر القوة أو القدرة على التعطيل أو شرعية التمثيل. ترتكز على قواعد واضحة من وحدة القرار، وضوح الأهداف، امتلاك أوراق ضغط سياسية، اقتصادية أو عسكرية ووجود مؤسسات قادرة على التحليل وإنتاج المعرفة والدعم التقني من مراكز أبحاث ولجان خبراء وأجهزة دبلوماسية محترفة. الندّية هنا لا تعني تساوي القوة بل تعني القدرة على منع الطرف الآخر من فرض شروطه بالكامل.
في المقابل حين تدخل الدول المفاوضات من موقع الهزيمة تتحوّل العملية إلى إدارةٍ للخسارة. تُفرّغ الأهداف من مضمونها تُستبدل أوراق القوة بالتنازلات ويُعاد تعريف «الإنجاز» ليصبح مجرد تجنّب الأسوأ. في هذه الحالة لا تكون المفاوضات سوى غطاءٍ سياسي لإملاءات تُفرض تحت عناوين مختلفة.
يقدم التاريخ الحديث أمثلة على الحالتين، مفاوضات ما بعد الحروب الكبرى غالباً ما عكست موازين القوى بوضوح من يمتلك أوراق القوة يفرض شروطه أو يحسّن موقعه ومن يدخل ضعيفاً يُجبر على التكيّف مع شروط الآخرين. حتى الدول الكبيرة بما فيها فرنسا وغيرها حين اختلّت موازينها واجهت صعوبات بالغة. تجربة مصر في مفاوضاتها المعقّدة مع إسرائيل تُظهر أن امتلاك الدولة لمؤسسات قوية ودبلوماسية عريقة لا يلغي صعوبة التفاوض بل يحدّ من كلفته ويمنع انزلاقه إلى تنازلات متتابعة غير محسوبة والتجربة الفلسطينيّة كانت أكثر مرارة.
لا يمكن فصل واقع المفاوضات في الحالة اللبنانية عن التحوّلات البنيوية التي أصابت الدولة خلال السنوات الماضية. فقد عمل الثنائي المتحكّم بالبيئة الشيعية ومعه حلفاؤه على إعادة تشكيل موقع الدولة ووظيفتها وصولاً إلى تفريغها من مقوماتها السيادية والمؤسساتية لصالح إدماجها في أولويات محور إقليمي تقوده إيران. هذا المسار سبق السقوط العسكري الأخير الذي لم يكن سوى تتويج لمسار طويل من إضعاف القرار الوطني المستقل.
النتيجة كانت دولة بلا مركز قرار واضح وبلا مؤسسات فاعلة قادرة على إدارة ملفات سيادية معقّدة. وهنا تحديداً تتجلّى خطورة تغييب وتشويه واجتزاء الإطار الدستوري، فالمادة 52 من الدستور اللبناني تحدد بوضوح آلية التفاوض في المعاهدات الدولية، رئيس الجمهورية يتولى التفاوض بالاتفاق مع رئيس الحكومة ولا تُبرم المعاهدات إلّا بموافقة مجلس الوزراء وتُعرض على مجلس النواب وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية. كما أن المادة 22 تنص على استحداث مجلس شيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحيّة وتُحصر صلاحياته بالقضايا المصيرية بما يعكس مبدأ التوازن والشراكة الوطنية في القرارات الكبرى.
غير أن هذه القواعد لم تُحترم عملياً وتم تشويهها وقضي عليها بالكامل. جرى اختزال القرار التفاوضي في دوائر ضيقة بعيداً عن منطق العمل المؤسساتي المتكامل ومن دون إشراك فعلي للبرلمان أو اطلاع الرأي العام. وهكذا تحوّلت المفاوضات من مسار وطني جامع إلى عملية محصورة تفتقر إلى الشفافية والمساءلة.
أحد أبرز تجليّات هذا الخلل كان في ملف الحدود البحرية. فالتراجع عن الخط 29 الذي كان يستند إلى دراسات تقنية وقانونية مثّل نقطة تحوّل مفصلية. لم يُقدَّم تفسير مقنع لهذا التنازل ولم تُنشر تفاصيل المداولات ولم يُؤخذ برأي اللجنة التقنية في الجيش اللبناني بالشكل الذي يليق بأهمية الملف. ومع ذلك جرى تسويق ما حدث إعلامياً وبوقاحة على أنه «إنجاز» بدل «الخيانة» في نموذج واضح لكيفية إعادة تعريف الخسارة كنجاح عبر أدوات الخطاب السياسي والإعلامي.
ما يثير القلق أكثر هو أن هذا النمط يتكرر اليوم في ظروف أشدّ تعقيداً. فلبنان يدخل مرحلة تفاوضية حسّاسة في ظل اختلال داخلي عميق وعزلة متزايدة عن محيطه العربي والدولي وغياب شبه كامل لمراكز أبحاث استراتيجية قادرة على دعم القرار السياسي. في الدول التي تدير مفاوضات معقّدة تلعب هذه المراكز دوراً حاسماً في إعداد السيناريوهات وتقدير المخاطر وبناء أوراق التفاوض. أما في الحالة اللبنانية فيبدو القرار أقرب إلى الارتجال والتبعيّة منه إلى التخطيط الاستراتيجي.
إن ترك ملف بهذا الحجم في يد أفراد مهما بلغت قدراتهم والتعتيم عن المحتوى بعد ذلك هو رهان خاسر وكارثي. فالمفاوضات الحديثة ليست مجرد مهارات شخصية بل منظومة متكاملة من المعرفة والمؤسسات والتوازنات الداخلية والخارجية.
من هنا يصبح السؤال الحقيقي هل يسعى لبنان فعلاً إلى استرجاع حقوقه أم أنه يدير عملية تكيّف تدريجية مع نتائج هزيمة لم يُعترف بها رسمياً؟
المرحلة الراهنة تفرض مقاربة مختلفة جذرياً. حماية لبنان لا يمكن أن تتم عبر العزلة أو الارتهان بل من خلال اعادة بناء كيانيّة دولة المؤسسات الدستوريّة المتكاملة وإعادة تموضعه ضمن محيطه العربي والدولي، واستعادة دوره كدولة قادرة على التفاعل لا ككيان تابع. فالعزلة في عالم متشابك تعني الذوبان لا الحياد.
أما في الداخل فلا بد من إعادة بناء الكيانية الوطنية على قاعدة الشراكة الحقيقية لا موازين القوى الفئوية وسلطة ميليشيات الأمر الواقع المتهالكة. استعادة المؤسسات، تفعيل الدستور، إشراك البرلمان وإعادة الاعتبار للخبرة التقنية والعلمية كلها شروط أساسية لأي مسار تفاوضي جديّ.
أما في الخارج فإعادة وصل ما انقطع مع العمق العربي والمجتمع الدولي ليست خياراً تكتيكياً بل ضرورة وجودية. وحدها شبكة العلاقات المتوازنة تمنح لبنان هامش المناورة الذي يحتاجه لحماية حقوقه.
بين مفاوضات تستند إلى النديّة ومؤسسات الدولة وأخرى تُدار تحت ضغط الهزيمة وغياب الشفافية يقف لبنان اليوم عند مفترق حاسم. إما أن يستعيد كيانيته التي تحقق شروط التفاوض كدولة حقيقيّة أو يستمر في الانزلاق نحو إدارة الخسارة وصولاً الى الإندثار كقدر محتوم وفي لعبة الأمم هذه لا مكان للفراغ.