لا تعود الكلمات بريئة في لحظات التحوّل الكبرى خصوصًا عندما تُستعاد المفاهيم القديمة وتُلبس أثوابًا جديدة ويُعاد تدوير خطابات فشلت تاريخيًا وكأنها خلاصٌ مؤجّل. هذا تمامًا ما يعيشه لبنان اليوم بعد التطورات التي أعقبت حرب الإسناد عام 2025 ومع انخراط حزب الله في مساندة إيران في مواجهة الضربات الأميركية الإسرائيلية مطلع آذار 2026.
في هذا المناخ المضطرب ارتفع منسوب خطاب «اليمين السيادي» بشكل لافت لكن التدقيق في مضمونه يكشف أنه ليس إلا عودة مُقنّعة إلى ما يمكن تسميته بـ»يمين الامتيازات الكولونيالي». هذا الخطاب الذي يدعو إلى «استعادة هوية لبنان» كما رسمها الانتداب الفرنسي لا يقف عند حدود الحنين السياسي بل يذهب أبعد من ذلك إلى حد الترويج لإعادة الاعتبار لشخصيات ارتبطت بالتعاون مع إسرائيل خلال الحرب الأهلية وفي مقدمتهم إتيان صقر (أبو أرز). هنا لا يعود السؤال سياسيًا بل يصبح معرفيًا وأخلاقيًا إذ كيف يمكن لخطاب يدّعي السيادة أن يستند إلى ذاكرة انتقائية تتجاوز تعقيدات التاريخ؟
يُحيلنا هذا المشهد إلى مقولة غاستون باشلار «إن أكبر عائق أمام المعرفة هو المعرفة السابقة» ففي الحالة اللبنانية يبدو أن أخطر ما يواجه مشروع الدولة ليس الجهل بل هذا التمسك بتراكم «المعارف المنحرفة» التي ترسّخت في الوعي الجمعي وتحولت إلى بديهيات غير قابلة للنقد والتغيير!
لفهم هذا المسار لا بد من العودة إلى لحظة مفصلية، سقوط نظام الامتيازات الطائفية الفرنكفونية بعد أحداث 1958 وبداية مشروع بناء الدولة الحديثة مع الرئيس فؤاد شهاب. لقد شكّل المشروع الشهابي محاولة جدية للانتقال من دولة الرعايا (بعد أن اكتشف عقمها وسقوطها المبكر) إلى دولة المواطنين عبر مؤسسات حديثة وإدارة عامة فعّالة. لكن هذا المشروع لم يواجه فقط تحديات خارجية بل اصطدم بتحالف داخلي من قوى «يمين الامتيازات» التي رأت في الدولة الحديثة تهديدًا مباشرًا لنفوذها التاريخي. هذا اليمين لم يكن يمينًا سياسيًا بالمعنى الديمقراطي بل بُنيّة سلطوية قائمة على الريع والاحتكارات والتجاوزات المُقَونَنَة تعيد إنتاج نفسها عبر الزبائنية والطائفية.
جاء اتفاق القاهرة عام 1969 ليشكّل نقطة تحوّل خطيرة إذ تم بموجبه تسليم جزء من السيادة اللبنانية في الجنوب للمنظمات الفلسطينية المسلحة. لكن ما يُغفل غالبًا أن هذا القرار لم يكن نتيجة ضغط خارجي بل نتيجة تواطؤ داخلي مع قوى يمينيّة رأت في هذه المعادلة فرصة للاستفادة من تدفقات الدعم المالي العربي بعد هزيمة 1967. ومع الوقت تحوّل التعاطف الشعبي الطبيعي مع القضية الفلسطينية إلى أداة استثمرتها نخب الامتيازات ضمن منطق الريع والسمسرة مما ساهم في تفكيك الدولة. وهنا يصح استحضار تحليل محمود ممداني حول التحول من «مواطن» إلى «رعية» حيث يصبح الانتماء قائمًا على الحماية لا على الحقوق.
مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 وتحديدًا بعد حادثة عين الرمانة دخل لبنان مرحلة الانهيار الشامل. اليمين الذي كان يتفاخر بتفوقه الثقافي المرتبط بالفرنكوفونية انزلق بسرعة إلى العسكرة وفَقَدَ بوصلته السياسية التي تقول «قوة لبنان في ضعفه»! ولم يكن رفضه لبرنامج الإصلاح الذي طرحته الحركة الوطنية اللبنانية في آب 1975 مجرد خلاف سياسي بل رفضًا بنيويًا لأي محاولة لتحديث النظام وتحقيق العدالة. ثم جاءت مجزرة السبت الأسود في كانون الأول 1975 لتؤكد أن الصراع لم يعد حول الدولة بل حول الهوية والهيمنة.
بعد أن تبيّن أن الغرب الذي طالما تباهى هذا اليمين بالانتماء الأعمى إليه كان مستعد للتخلّي عنه، بل وهيأ لسيناريوهات التهجير الى كندا ببواخر جاهزة شبيهة بما كان يحضر له الفرنسي قبل مئة عام الى الجزائر. لجأ هذا اليمين نفسه في واحدة من أكثر مفارقات التاريخ اللبناني فجاجة إلى الاستعانة بقوات حافظ الأسد لضبط موازين القوى قبل أن ينقلب عليها لاحقًا. ثم ذهب أبعد من ذلك بالتعاون مع إسرائيل خلال اجتياح 1982 ليكتشف لاحقًا أن العلاقة لم تكن شراكة بل استخدامًا وظيفيًا عند الحاجة. النتيجة كانت كارثية خصوصًا في جبل لبنان حيث أدت هذه السياسات إلى تهجير المسيحيين وانهيار النسيج الاجتماعي. وهنا تتجلى إشكالية «اليمين الوظيفي» يمين لا يبني دولة بل يستدعي الخارج لتعويض عجزه الداخلي المفتعل!
شكّل اتفاق الطائف فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة لكن هذه الفرصة سُرعان ما أُهدرت. فقد أدى تمرد ميشال عون في نهاية عام 1989 تحت شعار «حرب التحرير» إلى إدخال الجيش السوري إلى المناطق الشرقية وتكريس واقع الوصاية. ومع انسحاب هذا اليمين من العمل السياسي فُتح المجال أمام نظام وصاية الأسد لتطبيق الإتفاق الثلاثي لميليشيات الحرب بعد أن أفرغ الطائف من مضمونه وحوّله إلى إطار لتقاسم السلطة بين قوى الأمر الواقع بدل أن يكون مشروعًا لبناء دولة دستورية.
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 عاد هذا اليمين بصيّغ جديدة أبرزها انضمام التيار العوني الى حلف الأقليات، ليمنح شرعية سياسية لسلاح حزب الله ويُعمّق منطق المحاصصة. ولم يعد الصراع بين مشروع دولة ومشروع ميليشيا بل بين قوى تتقاسم الدولة كغنيمة تحت مظلة تمدد نفوذ إقليمي أوصل لبنان الى ما وصلنا اليه. ومن مشاريع السدود إلى بواخر الكهرباء ومن التوظيف السياسي إلى تعطيل المؤسسات و... تراكمت عوامل الانهيار الذي انفجر ماليًا عام 2019.
يُعاد اليوم تسويق هذا الخطاب تحت عنوان «اليمين السيادي» لكن السؤال الجوهري يبقى أي سيادة؟
هل السيادة هي استدعاء نماذج ما قبل 1958 بعد تفريغها من مضمونها؟
أم إعادة إنتاج ساديّة الامتيازات الطائفية في صيغة جديدة على أنقاض المشروع العسكري الإيراني؟
أم بناء دولة حديثة قائمة على القانون والمؤسسات؟
في الواقع هذا «اليمين السيادي» يرفض عمليًا كل ما يشكّل جوهر الدولة الحديثة، يرفض اللامركزية الإدارية الفعلية المتوازية، ويرفض إنشاء مجلس شيوخ يحرر المجلس النيابي من القيد الطائفي، ويرفض قانون انتخاب عادل يتوافق وميثاقيّة مقدمة الدستور ويرفض استقلال القضاء، كما يرفض تحديث الإدارة العامة بما يتوافق مع الواقع الديموغرافي. أي أنه يرفض عمليًا قيام الدولة الدستورية نفسها.
ما يحتاجه لبنان ليس يمينًا جديدًا بالاسم بل إعادة تعريف اليمين نفسه. فاليمين السيادي الحقيقي هو يمين يؤمن بالدولة لا بالطائفة، بالعدالة لا بالامتياز، وبالمواطنة لا بالرعوية. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا ضمن توازن مع «يسار سيادي» بعيد عن التوظيف الخارجي في إطار نظام ديمقراطي تعددي تقوده «قوى وسطية» جديدة تؤمن بمشروع الدولة الحقيقيّة وبالشراكة على المستويين الداخلي والخارجي وبعيدة عن تراكمات معرفة التجهيل السائدة.
يقف لبنان اليوم أمام مفترق تاريخي إما أن يستمر في إعادة إنتاج أزماته عبر خطاب «يمين الامتيازات» على حساب سقوط الوجه الآخر لنظام التبعيّة أو أن ينتقل إلى مرحلة جديدة تُبنى فيها الدولة على أسس دستورية حديثة. دولة قانون ومؤسسات متكاملة لا دولة غالب ومغلوب. أما الاستمرار في هذا المسار فليس مجرد خطأ سياسي… بل مسار انتحاري يُضاف فيه مسمار جديد إلى نعش وطن يحتضر كان يمكن أن يكون نموذجًا فصار مثالًا صارخًا على تراكم الفرص الضائعة...